الضجيج القائم حول قاعدة الرادار الأميركية المفترض بناؤها فوق الأراضي التشيكية تحول في الأيام القليلة الماضية إلى صراخ واضح المعالم، مترافق هذه المرة مع بعض السمات التي كانت تتمتع بها مرحلة الحرب الباردة التي أعتقدنا ذات يوم بأنها ولّت إلى غير رجعة.
فإلى جانب التصريحات التي صدرت عن المسئولين في براغ والتي أكدت مجددا وضوح الرؤية التشيكية فيما يتعلق بخيارها الاستراتيجي الغربي، حثّ الأميركيون خطاهم لإسراع المفاوضات الخاصة بهذا الأمر وجال جنرالاتهم ومسؤولوهم الدبلوماسيون بين أزقة وشوارع الساحة السياسية التشيكية أملا بتذليل ما تبقى من صعوبات تقف بوجه مشروعهم الواقي من «الصواريخ الإرهابية المعادية».
وعلى الجانب الآخر من «خط المواجهة» أبت روسيا إلا أن تذكّر حلفائها السابقين بأصوات طالما كرهوها طغت عليها قرقعة السلاح بشتى أنواعه، وذلك من خلال إجراء سلسلة من المناورات العسكرية، واتخاذ القرار باستعادة عمليات التحليق الدورية لطائراتها العسكرية الاستراتيجية، وإجراء اختبارات ناجحة على «أبو القنابل»، باعتبار أن «أم القنابل» قد ولدت بنجاح أيضا لكن قبل فترة طويلة.
وبين سندان المناورات والصواريخ الروسية الجديدة ومطرقة القواعد الأميركية التي يصر حلفاء اليوم على زرعها في هذه المنطقة من العالم ضاربين بعرض الحائط الرفض الشعبي الواضح لها، وجد المواطن التشيكي نفسه أمام معضلة لا يعرف كيف يجد حلاّ لها، فهو يعبّر بشكل يومي عن رفضه للقاعدة الأميركية من خلال استطلاعات الرأي العام والتحركات الشعبية الكثيرة،
ورفض ممثلوه المحليين من مخاتير وأعضاء بلدية المشاركة في اجتماعات رسمية مخصصة لهذا الغرض قاصدين من ذلك إيصال رسالة واضحة تعكس حقيقة مشاعر الشعب حيال هذه المخططات العسكرية الجديدة، والتي لا علاقة لها حسب رأيهم بالإرهاب بل تهدف لإعادة رسم التحالفات وفق مفهوم العصر الجديد،
لكن من جهة أخرى فان هذا المواطن الذي لا يزال يشعر اليوم بمآسي ما خلّفته الحقبة الشيوعية السابقة ومراحلها الحارة والباردة على حد سواء، لا يستطيع بطبيعة الحال إلا أن يرفض اللغة الحربية الروسية التي يحاول الكرملين من خلالها - وفق المفهوم السائد في أوروبا الوسطى على الأقل - أن يعيد الاعتبار لهيبته على الساحة الدولية، وأن يفرض روسيا كلاعب أساسي لا يجب الاستهانة به.
وبالرغم من أن «بيت القصيد»، والمقصود به هنا الرادار في تشيكيا وقاعدة الصواريخ في بولندا، قائم في الباحة الخلفية لروسيا، إلا أن المواطن العادي لا يكترث عادة لهذه التحليلات وبالتالي إذا وصلت الأمور إلى حد المواجهة الجدية التي لا يتمناها أحد، سيقف بكل تأكيد إلى جانب وطنه حتى لو أصرت روسيا على وضعه في خانة «الأعداء».
لقد لاحظنا في الأيام القليلة الماضية سلسلة من المواقف التي تستدعي التوقف عندها لأنها تفسر بشكل واضح حالة الفرز الفريدة القائمة حاليا في أوروبا بشقيها الشرقي والغربي من جهة وروسيا من جهة أخرى،
ففي ظهور نادر في وسائل الإعلام التشيكية، أطل آخر رئيس سوفييتي ورمز إنتهاء الحرب الباردة وسقوط الستارة الحديدية ميخائيل غورباتشوف ليحذر المسؤولين التشيك من «مغبة عدم الاستماع إلى المواطنين ومنعهم من التعبير عن رأيهم في استفتاء شعبي»، مشيرا بين الفينة والأخرى إلى الآثار السلبية التي ستترتّب على هذا السيناريو الآخذ بالتبلور شيئا فشيئا والذي يعمّق الفجوة مع روسيا بشكل خطير.
قال غورباتشوف موجها كلامه إلى المواطنين التشيك «بأن الطريقة التي تتصرف بها الولايات المتحدة اليوم تشكل خرقا فاضحا للاتفاقيات الكثيرة التي ساهم شخصيا بصياغتها، وبالتالي فانه يحق للرئيس بوتين أن يدافع عن المصالح الروسية لأن الشعب الروسي لم يعد يثق بالولايات المتحدة الأميركية».
ما هو خطير في هذا الكلام التخويني إن صح التعبير أنه يصدر عن رئيس كان في يوم من الأيام يتمتع في الولايات المتحدة الأميركية بثقة تفوق الثقة التي كان يتمتع بها الرئيس رونالد ريغان نفسه، وهذه حقيقة مثبّتة بالوقائع من خلال الاستطلاعات التي كانت تجرى في تلك الفترة.
ولطالما وجه غورباتشوف في السابق سهام انتقاداته العنيفة ضد بلاده كلّما أخطأت، ولم يتردد ذات يوم بالإشارة إلى مكمن الخطأ حتى لو كان في قلب الكرملين، وهذا بالتحديد ما أكسبه ثقة عالمية فريدة قلّما تمتع بها زعيم دولة.
أما أن يعود غورباتشوف اليوم ليشارك في صياغة مفردات «الصراع» الجديد بين الولايات المتحدة ( وحلفائها الصغار وفق المنطق الاستراتيجي) من جهة، وبين روسيا من جهة أخرى، فهو أمر يستدعي أكثر من تحليل في العمق، خصوصا عندما يقول غورباتشوف بأن ما يجري حاليا سيساهم بتدهور الوضع في أوروبا لأن الولايات المتحدة «تعاني من مرض الانتصارات الدائمة»، وهذا ما سيجبر روسيا للتفكير بردود الفعل الضرورية.
لكن يبدو من تطورات الأيام الأخيرة بأن كلام غورباتشوف لم يتمكن من التسرب كما هو مطلوب إلا إلى نفوس بعض التشيك الذي يرفضون أصلا التواجد العسكري الأميركي إنطلاقا من انتمائهم الإيديولوجي الشيوعي أو اليساري المتشدد، في حين تبين من خلال المشاورات الحثيثة التي جرت في براغ بين الجانبين التشيكي والأميركي أن الخطة المرسومة ستنفذ بدقة وعناية حتى تبلغ نهايتها المنشودة.
ما يلفت الانتباه بين وقت وآخر هو الجدل القائم بين المثقفين بخصوص هذا الموضوع الحساس والذي يحاول البعض من ذوي النوايا السيئة أن يضعه في خانة مبسّطة محورها: « هل سنسير مع الروس أم بدونهم ؟»،
في حين يتمادى بعضهم بطرح سؤال أكثر جرأة ووقاحة من ذلك: « أتريدون أن تكونوا مع الروس أم أن تكونوا في أمان»؟، مشيرين من خلال ذلك بالطبع إلى أن الأمان سيوفره الأميركيون بالدرجة الرئيسية وحلف الناتو في الإطار الأشمل.
وبغض النظر عن الانتماء الإيديولوجي الواضح لطارحي هذا النوع من الأسئلة، لكن ما يجري يعكس بطبيعة الحال إصرارا لدى معسكري «الصراع» للتمسك بوجهات نظرهم والمضي قدما في خلق الوقائع الجديدة على الأرض تمهيدا لفرض أمور قد تتسم بقدر أكبر من الخطورة.
أن المرحلة دقيقة جدا بلا شك لأنها ستفتح الآفاق لتطورات تاريخية نأمل منها أن تبقى دائما في إطار التعاطي السلمي. وبجميع الأحوال فأن أحدا لا يريد عودة الحرب الباردة، لكنها إذا عادت لا سمح الله، فأنها ستكون أفضل ألف مرة من أية حرب حارة.
كاتب لبناني