كرقصة التانجو على الطريقة الصهيونية الأميركية بخطوة للأمام وخطوتين للخلف، وبخلفية صوتية لاسطوانة مشروخة وقديمة، تتراقص سياسة تل أبيب وواشنطن بقضايا المنطقة بحيث لا تبدو ساكنة، لكنها تتحرك منفردة خارج مظلة الأمم المتحدة، ليس باتجاه مواز للحل الحقيقي العادل والشامل وإنما بعكس الاتجاه، وبالأدنى كحركة المكوك الفارغ للوصول إلى المفاوضة ثم المفاوضة بغير نهاية وبغير حل!

وفي هذه الظروف غير الملائمة لـ «رقصة السلام» الصحيحة في ظل معادلة مفككة، وبغياب مرجعية متكاملة، بلا اعتراف الإسرائيليين والأميركان بمبادرة السلام العربية التي أجمع عليها العرب كحد أدنى لا يمكنهم التنازل بعده، وبطرح «خارطة الطريق» الأميركية كمرجعية لا يجمع عليها العرب وتجاوزتها الظروف،

لإعادة رمى الكرة من جديد في الملعب الفلسطيني للتهرب من استحقاقات الحل النهائي، قد يقبل البعض المشاركة بالتراقص مع سياسات الرئيس «بوش» أو «أولمرت» قبل إدراك أنها رقصة الموت، لكن غالبية أحرار الوطن العربي لا يرغبون بهذا النوع من التراقص الغربي خصوصا لو كان بالطرف المقابل الوزيرة «كوندي» أو «ليفنى»،

فإن المعادلة الرباعية الحالية لا تنبئ عن نتائج مرئية أو ممكنة، حيث يفتقر الطرف الإسرائيلي بدعم أعمى من الطرف الأميركي إلى الرغبة لا في قبول مبادرة السلام من الطرف العربي، التي هي الحد الأدنى لأي تنازل عربي،

ولا في دفع ثمن السلام بتنازل إسرائيلي، وتفتقد أطرافها جميعا القدرة السياسية اللازمة للتفاوض أو للتوقيع على اتفاق لن يكون له إمكانية التطبيق أو الاستمرار، لعدم قبول نصف شعبه على الأقل بما سيتوصل إليه المفاوض باسمه.

فالمعادلة تضع الرئيس الفلسطيني عباس، رغم تصريحاته التي بدت قوية أخيرا في مواجهة التمييع الأميركي الإسرائيلي إلى حد رفضه حضور المؤتمر إذا لم يحصل على كل أرض وحقوق الشعب الفلسطيني، والتهديد بالاستقالة، كمفاوض ضعيف في ظل الانقسام السياسي الفلسطيني بين الضفة وغزة وبين فتح وحماس.

وتضع الموقف العربي أيضا في موقف ضعيف بعدما فاحت رائحة خلافاته العلنية وخرجت خلافاته المكتومة إلى العلن بين دوله الفاعلة الأساسية حول قضايا فلسطين ولبنان والسودان والصومال وحول المواقف من إيران الأميركان، وأبرزها الخلاف بين دولة رئاسة القمة العربية الحالية ودولة رئاسة القمة العربية المقبلة.

وفي الناحية الأخرى، يبدو «أولمرت» رئيس الإسرائيليين الفاقد مع حزبه للثقة والآيل للسقوط سياسيا طبقا لما تشير إليه استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي من هبوط شعبيته إلى أدنى درجة، والفاشل عسكريا في حربه ضد مقاومة لبنان والملاحق قضائيا في تل أبيب، يبدو أيضا في موقف أضعف من إبرام سلام.

كما يبدو الرئيس «بوش» رئيس الأميركيين في موقف أعجز من إجبار لا إسرائيل ولا حتى عباس على قبول ما هو أدنى، بسبب فقدانه مع حزبه للثقة واستعداده للرحيل سياسيا طبقا لنتائج الانتخابات التشريعية، وخسارته للشعبية طبقا لاستطلاعات الرأي الأميركية، وازدياد تورطه في مستنقع الفشل العسكري والسياسي في العراق وأفغانستان واحتمال بمزيد من الغرق في مستنقع أكبر في إيران!

لقد أصبح واضحا الآن للعرب أن التحرك الأميركي الصهيوني يستهدف تحقيق إنجازات سياسية على حساب الحقوق العربية بعدة صفقات مرحلية، أولا بمحاولة انتزاع إقرار عربي بالأمر الواقع للمحتل، ثم بمحاولة تطبيع العلاقات في ظل هذا الوضع المختل،

ثم بالسعي لتنازلات عربية جديدة دون ثمن، للوصول في النهاية إلى فرض الحل الإسرائيلي، بما دفع عمرو موسى إلى الإعلان عن «إغلاق باب التنازلات العربية» من الآن ودون انتظار لإشعار آخر.

وفي ظل رئاسة بوش الابن الأقل كفاءة من الرئيس بوش الأب، وفي أداء أقل كفاءة عن الجولات الثماني الناجحة للوزير المخضرم «بيكر» سعيا لمؤتمر مدريد، وبعد ثماني جولات للوزيرة «رايس» كالمكوك الفارغ بلا أجندة سعيا لاجتماع الخريف، فقد سمعت في القاهرة وفى الرياض ومن دمشق أن تأجيل مؤتمر بلا إعداد أولي من عقده، وإلغاء مؤتمر فاشل أفضل من تأجيله، حتى لا تدفع كل الأطراف الثمن الباهظ للفشل! .

mamdoh77t@hotmail.com