يومياً تتزايد الدعوات والتحذيرات لتركيا، كي لا تقوم بعملية عسكرية ضد شمال العراق. آخرها كان أمس، طهران أعربت عن عدم موافقتها على مثل هذا الخيار وشددت على وجوب اعتماد المعالجة والحلول الدبلوماسية، مع حزب العمال الكردستاني.
وصار هناك ثمة إجماع ضد أي اجتياح تركي لتلك المنطقة، الكل متفهم لقضية أنقرة مع مقاتلي هذا الحزب في ضوء عملياته الأخيرة عبر الحدود، لكن الكل على قناعة بأن معالجة القضية بحشد قوة ضاربة قوامها مئة ألف جندي لمطاردة مقاتلين داخل أراضي بلد كالعراق في أوضاعه الراهنة المعروفة،
وأن التعنيف المتصاعد لخطاب التهديد بالحل العسكري؛ لا يخدم أياً من مصالح المعنيين بالأزمة، وبالتحديد تركيا، ومع ذلك تتواصل الاستعدادات والتعزيزات المترافقة مع تحرك أنقرة بصورة مكثفة ومستعجلة لتسويق حملتها العسكرية؛ التي تتوالى المؤشرات على اقتراب بدء عملياتها.
وكأن تركيا، باندفاعها في هذا الاتجاه قطعت خطوط الرجعة، والحكومة التركية لا تكف عن الحديث عن ضربة «عند الضرورة من غير أخذ رأي أحد»، ولو أن مثل هذه «الضرورة» لا يرى أحد أنها متوفرة باستثناء أنقرة! ثم إن هذه الأخيرة تطالب بغداد باتخاذ «إجراءات تؤدي إلى نتائج سريعة جداً جداً» ضد حزب العمال ومقاتليه.
الوفد الحكومي العراقي كان في أنقرة قبل أيام وعرض مقترحات وإجراءات رأى فيها الأتراك عروضاً غير كافية ورخوة، ثم صدرت عروض أخرى للتفاوض حول كيفية العثور على صيغة تسوية لملف الكردستان التركي، كما صدرت إشارات بخصوص إعادة الجنود الأتراك الثمانية الموجودين لدى مقاتلي الحزب،
لكن الردود لا تزال تتوالى من خلال قيام القوات التركية بعمليات محدودة داخل الحدود العراقية؛ بانتظار شن الهجوم الموعود الذي «لا يمكن حتى تصوره» على حد وصف الجيش التركي له، وما يزيد الأمر خطورة أن التعامل مع هذا الملف بدأ يأخذ طابع انحصار المشكلة بالجزء الشمالي من العراق، وكأن تلك المنطقة لا تتصل بالبلد،
أو كأن بغداد حاولت وقامت بما تقوى على القيام به، من حيث الاتصالات واقتراح إجراءات ضامنة لعدم تكرار ما حصل؛ لكن ما تقدمت به لم يلق القبول، وبالتالي أخذت الأزمة صورة منازلة قادمة بين أنقرة وإقليم كردستان العراق، وهذا الأخير يتحدث عن حقه في الدفاع عن النفس، وأنقرة تتمسك بما ترى أنه حقها في اجتياز الحدود للدفاع أيضاً عن حقها في حماية أراضيها وقواتها،
وليس سراً أن نشوب هذه الأزمة يأتي على خلفية تلميحات، حول منطقة في شمال العراق وأقلية معينة فيها، جديرة بحماية من خارج الحدود، الأمر الذي أثار الشكوك وحالات ارتياب متبادلة؛ يخشى معها أن تتفجر جراء اندلاع قتال واسع هناك؛
كالذي تحشد له أنقرة، وإذا حصل ذلك ـ وهل من ضمان بأن لا يحصل؟ ـ تكون المواجهة التي بدأت لاعتبارات أمنية دفاعية؛ قد تحولت إلى عملية ذات جوانب أخرى أكثر تعقيداً؛ وبالتأكيد أكثر خطراً على الأمن في عموم المنطقة؛ فضلاً عن أمن ووحدة العراق وسيادته.
ليس بالضرورة أن تقوم تركيا باجتياحها بنية تصعيد المشكلة إلى هذا الحد، لكن، كما قيل دوماً، انه من السهل إشعال الحروب لكن هذه الأخيرة سرعان ما تصبح عصية على التحكم بمسارها ناهيك بنهاياتها، وبناء عليه من الحكمة أن تصغي أنقرة لأصوات التحذير.
