لا تزال تركيا تتوعد باجتياح شمال العراق، رغم الجهود الدبلوماسية الاقليمية والدولية والوعود والتعهدات التي قطعتها بغداد وواشنطن بالتعاون مع أنقرة للقضاء على حزب العمال الكردستاني الذي يتخذ من المناطق الجبلية النائية والشديدة الوعورة في شمال العراق قواعد له.

ومع التأكيد على حق تركيا الثابت في محاربة الإرهاب، فإن اللجوء إلى الخيار العسكري وفتح جبهة حرب جديدة هو امر بالغ الخطورة وينذر بإشعال النار في المنطقة الغارقة اصلا في حروب وأعمال عنف. ان التجارب السابقة التي خاضتها تركيا عندما شنت عمليات عسكرية كبيرة مماثلة لعمليتها المحتملة حالياً، اثبتت فشل الحل الامني للمشكلة، حيث لم تنجح كل العمليات العسكرية السابقة في القضاء على متمردي حزب العمال الكردستاني.

وتركيا تستطيع ـ بما لديها من جيش يصنف بأنه ثاني أكبر جيش في حلف شمال الاطلسي ـ اجتياح شمال العراق، لكنها ستجد نفسها عاجزة عن القضاء على المتمردين الاكراد وغارقة في مستنقع يصعب الخروج منه بدون خسائر. ومع ذلك يبدو ان تركيا، باصرارها على الخيار العسكري، لم تستفد من تجارب الحربين اللتين تخوضهما أميركا حالياً في العراق وافغانستان، فقد هزت الحرب صورة الولايات المتحدة في العالم، كما اضعفت الإدارة الأميركية داخليا، بعد ان فقدت الحرب شعبيتها، في حين تبحث إدارة بوش المحاصرة، ليس عن النصر، بل عن مجرد خروج مشرف من المأزق الذي وجدت نفسها غارقة فيه.

لقد ارتفعت الأصوات والنداءات من دول الجوار الاقليمي للعراق وتركيا ومن الدول الكبرى تناشد الطرفين ضبط النفس وسلوك طريق الحوار والدبلوماسية لمعالجة الازمة. ومن المؤكد أن طريق الحوار والمفاوضات مهما كان طويلا وبطيئا وشاقا، فإنه السبيل الامثل لحل المشكلة وتجنيب المنطقة خطر الدخول في دوامة أخرى من العنف.

إن النتائج الكارثية للحروب في المنطقة، تجعل من البحث عن حلول سلمية للازمات، اولوية قصوى مهما كلف ذلك من ثمن.