في مثل هذا اليوم قبل خمسين عاما، بدأ تنفيذ المؤامرة الثلاثية العدوانية على مصر،لاستعادة قاعدة قناة السويس وإسقاط النظام الثوري المصري، والتي رسمت خطوطها الخفية في خطة «سيفر» بين الثلاثي العدواني الاستعماري القديم الصهيوني بن جوريون والإنجليزي أنتوني إيدن والفرنسي جي مولييه.
وبينما كانت الطائرات الحربية البريطانية والفرنسية في السماء المصرية تقصف بقنابلها مدينة «بورسعيد» الباسلة وتشن غاراتها على القاهرة، كان الزعيم المصري خالد الذكر جمال عبد الناصر يشق طريقه على الأرض بسيارته المكشوفة وسط الجموع الشعبية الداعية إلى المقاومة ومواجهة العدوان في طريقه إلى الجامع الأزهر الذي سبق أن خرجت منه ثورات الشعب المصري ضد المستعمرين وأبرزها ثورة القاهرة الأولى والثانية ضد الاحتلال الفرنسي.
ومن على منبر الجامع الروحي والتاريخي والوطني الكبير انطلق صوت عبد الناصر باسم الشعب المصري قويا وسط دعاء المصلين بالنصر قائلا «لقد فرض علينا القتال، ولكن باسم شعب مصر، أعلن للعالم أجمع، أنه لن يوجد من يفرض علينا الاستسلام»، مرددا في تصميم صاحب الحق الواثق بالله وبقدرة الشعب المصري على المقاومة والصمود والنصر قولته المشهورة «إننا سنقاتل.. سنقاتل.. سنقاتل ولن نسلم أبدا.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر».
لتبدأ الملحمة البطولية الكبرى التي شكلت بداية النهاية لعصر الاستعمار القديم في واحدة من أمجد معارك الشعوب الصغيرة لتحقيق الاستقلال والدفاع عن الكرامة الوطنية، واستعادة الحقوق المغتصبة، برغم عدم التكافؤ العسكري بين قوى المقاومة الوطنية وقوى العدوان الاستعمارية، فيما يعرف «بحرب السويس».
لقد انتهت هذه الحرب بفشل العدوان وانسحاب المعتدين واستعادة مصر لقناة السويس بمقاومة بطولية باسلة ومعركة سياسية ناجحة، حركت الاتحاد السوفييتي لدعم مصر ودفعت رئيس وزرائها ( بولجانين) بتوجيه الانذار الروسي الشهير بضرب لندن وباريس بالصواريخ إذا لم يتوقف العدوان ..
وأقنعت الرئيس الأميركي أيزنهاور بضرورة وقف العدوان الذي تم من وراء ظهره لتثبيت النفوذ البريطاني الفرنسي في المنطقة على حساب المطامح الأميركية بينما كان يستعد لـ «ملء الفراغ» في المنطقة لوراثة الاستعمار القديم بعد الرحيل.
وأسقطت إيدن وشريكه في العدوان مولييه، مما أوجد واقعا جديدا في العلاقات الدولية وفى معادلات القوى الجديدة، ألهم الأحرار في العالم الثالث بتصعيد المقاومة للتحرر من الاستعمار مما ساهم بنهاية عصر الاستعمار القديم.
ويحسب لهذه المعركة المصرية التي التف فيها الشعب المصري حول قيادته الوطنية، وساندتها الشعوب العربية الشقيقة ومن بينها الشعب السوري الذي قطع خطوط «التابلاين» لوقف ضخ البترول العربي عن المعتدي الغربي، وانطلق من عاصمتها «صوت العرب من دمشق» حينما ضربت محطات الإذاعة في القاهرة، كما وقفت كل الشعوب الحرة في العالم مساندة لمصر ومنددة بالعدوان.
لقد كان من أبرز ما حققته حرب السويس أنها أجبرت الاستعمار البريطاني ليس فقط على الانسحاب من السويس بل أيضا من الخليج العربي في إطار سياسة الانكماش البريطاني فيما يعرف «بإستراتيجية شرق السويس».
وقد بقيت مدينة ( السويس ) المصرية ذات الخلفية التاريخية القديمة في التاريخ المصري الحديث وحتى اليوم واحدة من أبرز العلامات النضالية المضيئة الثلاث على طول امتداد قناة السويس مع شقيقتيها بور سعيد والإسماعيلية، تلك المدن الباسلة الثلاث التي تحمل أهلها عن كل مصر أعباء معارك56 و67 و1973.
وقبل أيام احتفل أهل السويس بيوم انتصار المقاومة الشعبية في المدينة على جحافل دبابات العدو الإسرائيلي التي حاولت دخول المدينة وفشلت خلال حرب أكتوبر المجيدة. إنها المدينة التي ترتبط بها وقائع التاريخ وحقائق الجغرافيا ربما أكثر من أي مدينة مصرية أخرى،
فنسبت إليها قناة السويس المواجهة لشبه جزيرة سيناء المصرية، كما نسب إليها خليج السويس بامتداده على البحر الأحمر المواجه لشبه الجزيرة العربية.لقد أصبحت السويس بعد انتصار مصر في حرب السويس علامة فارقة بين عصرين عصر ما قبل السويس وعصر ما بعد السويس!