بادرني السياسي الوقور والمحنك بالقول : اسمع يا بني، لقد أصبحت في موقع مسؤول لا يسمح لك بإظهار مشاعرك على حقيقتها والتعامل بردات أفعال مثلما يفعل الشخص غير المسؤول. لكن على الرغم من الوقع المؤثر لكلمات الرجل.

إلا أن أمرا ما حال دون أن يأخذ مدلول تلك العبارة طريقه إلى مستقره الجدي في تفكيري، فمرت مرور الكرام في تلك اللحظة ولم أعطها ما تستحق من وزن، لا بل أن رومانسيتي الحالمة لم تسمح لي بالتنازل ولو قيد أنملة عن ذلك الحق المكتسب ولو لوهلة.

انفرط إلى حد ما عقد الإطار السياسي الذي جمعني وتلك المرجعية الوطنية والقومية والتقدمية وخرج كل منا إلى رحاب الحياة الحقيقية البعيدة عن الرومانسيات الثورية الحالمة وأصحابها، وما لبثت أن أوقفتني صروف الدهر أمام أول درس يمكن استخلاصه من تلك التجربة الغنية غير القابلة للتكرار

وذلك حين لاحت في ذهني تلك العبارة مع أول موقف عملي واجهته في الحياة العملية الرحبة لكن القاسية أيضا، حيث يسعى الفرد، إن أراد النجاح، بكل قواه إلى تنحية كل القيم والقواعد الأخلاقية جانبا والوصول بنفسه إلى منطقة تبلد المشاعر والأحاسيس الإنسانية حتى يمكنه نمط السلوك الانتهازي والتفكير الوضيع من تسلق سلم الحياة مثل شجرة عليق في بلادي،

لا تستطيع مواصلة طريقها نحو المداميك العليا من الحائط إلا اعتمادا على كل ما يحيط بها من أشياء كالشجر والحجر مع أن تلك الأشياء هي غريبة عنها ولا تمت لها بأي صلة وليس لها أي فضل عليها.

الفارق بين شجرة العليق تلك والنظرية الميكافيلية لا يكاد يرى، لأنه ليس موجودا أصلا، صحيح أن نيقولا ميكافيلي، مؤسس مدرسة التحليل والتنظير السياسي الواقعي التي أصبحت لاحقا عصب علم الاقتصاد السياسي، قد رحل عنا منذ أكثر من 500 عام وجاءت بعد نظريته نظريات وضعية وضيعة أشد وطأة وأكثر شراسة،

وأن أفكاره باتت تشكل جزءا لا يتجزأ من التراث الفكري للإنسانية جمعاء، إلا أن الكثيرين يبدو أنهم لم يستوعبوا الدرس الميكافليلي كما يجب ولم يلامسوا إلا سطحه الخارجي الهش ورفعوا من شأن عبارته الشهيرة القائلة بأن الغاية تبرر الوسيلة ووضعوها في مصاف القداسة وراحوا يصلون لها ليل نهار، بحيث باتت تبدو وكأنها تمثل كل موروث هذا الفيلسوف الإيطالي الكبير.

لترقد رفاتك بسلام أيها المعلم ميكافيلي، فلو أن الشك راودك ولو لبرهة من الزمن بأن نظرياتك وأفكارك في علم الاقتصاد والسياسة والاجتماع، التي قامت عليها أمم عظيمة ولها وحدها يعود الفضل في نهوض الكثير من الكيانات الإنسانية، لما سمح لك ذهنك المتقد بلا شك بأن تتجرأ

وتطلق مثل تلك العبارة الدنيئة الشهيرة التي باتت بمثابة خرقة بالية يمسح بها كل متبجح انتهازي كل ما يرتكبه من جرائم حقيقة بحق الآخرين وشماعة تعلق عليها الأنظمة والمؤسسات والأفراد كل فعل قبيح يرتكبونه بحق إنسانية الإنسان أولا وقبل أي شيء آخر.

تلك الانتهازية القذرة تتعلل بضرورات مادية صرفة يحتاجها الإنسان كما الحيوان على حد سواء ولا يمكن تفريقها في الحالتين إلا عندما يتعلق الأمر بالقيم الإنسانية التي تحكم مسلك الناس ساعة تلبية تلك الضرورات وإشباع تلك الحاجات، لكن إذا ما تساوى كلا المسلكين وباتا في كفة ميزان واحدة فعندها تصح مقولة على الدنيا السلام لانعدام الفرق بين الإنسان وما يمكن تسميته في هذه الحالة أخيه الحيوان.

بينما يغمرني أسف عارم على أشخاص من هذا النوع باتوا يحتلون مكانة عددية مرموقة في المجتمع، آسف على نفسي كذلك لكوني مضطرا للتحدث بلغتهم هم والتعايش معهم تحت رايتهم هم واستخدام أدواتهم هم ورفع شعاراتهم هم، التي تتصدرها مقولة الراحل ميكافيلي طبعا والتي يتفرع عنها شعارات ومقولات أخرى لا تعد ولا تحصى من نوع اللهم أسألك نفسي وغيرها.

بينما تنحى ذلك الزعيم العربي المرموق عن منصبه السياسي واكتفى بالاشتغال في الشأن العام، صعد قادة انتهازيون آخرون وراحوا يبيعون الغالي قبل الرخيص حتى عندما يتعلق الأمر بالقضايا الكبرى التي لا تخص حفنة من الأفراد هنا أو هناك بل شعوبا وأمما بأسرها.

والآن وقد انقضت عشرون عاما على ذلك اللقاء، أدرك أن شفتي السياسي المحنك هما وحدهما اللتان نطقتا بتلك العبارة، لأنه إن لم تكن تلك هي الحقيقة لكنا لا نزال نرى ذلك الرجل وهو يمارس مسؤولياته من الموقع الرسمي ولما تنحى عن منصبه وقدم استقالته بمحض إرادته من دون أي أسف.

bassil@albayan.ae