حينما يحذر الرئيس الأميركي جورج بوش الأربعاء 18 -10- 2007 من «حرب عالمية ثالثة إذا حصلت إيران السلاح النووي»، فإنه يدخل العالم عن سبق نية مبيتة إلى مناخات التحضير للمواجهة التي يبدو أنها أصبحت حتمية مع إيران التي تصر من جهتها على حقها في مواصلة تطوير قدراتها النووية.

غير أن هذا التحضير الإعلامي النفسي الحربي ليس أميركيا فقط، وإنما هو إسرائيلي بالأساس، فالواضح الملموس المقروء أن المؤسسة الأمنية ـ السياسية ـ الاستراتيجية الإسرائيلية لا تنام أبداً، وإنما تعمل على مدار الساعة في دراسة وإعداد السيناريوهات المختلفة للانقضاض على الملف النووي الإيراني وإنهائه من وجهة نظرهم إلى الأبد!

فهاهو الجنرال احتياط افرايم سنيه يقول في «هآرتس» 20071010 انه «ليس بإمكان إسرائيل أن تقبل بوجود سلاح نووي تحت سيطرة نظام يلتزم ايدولوجيا بإبادتها»، مشيرا إلى «أن أحد الاعتبارات المركزية من الكارثة هو حظر تجاهل الجمع بين الكراهية لليهود وبين القوة العسكرية الهائلة».

وها هو عوزي أراد يكتب بدوره في يديعوت ـ 14/ 10/ 2007 مؤكدا: «أن عام 2008 قد يكون منعطفا حاسما في كل ما يتعلق بتسلح إيران النووي، وان الولايات المتحدة تدخل في وضع تطالب فيه مع بريطانيا وفرنسا باستخدام هجمات عسكرية في ظل استمرار النشاطات الإيرانية لإنتاج المواد المستنفدة،

بالإضافة إلى ذلك، في الآونة الأخيرة تتكاثر في الولايات المتحدة الأصوات التي تؤيد العملية العسكرية ضد إيران بسبب دورها في الحرب في العراق». وينتقل الوف بن وشموئيل روزنر في «هآرتس»

ليتحدثا عن السيناريو وليكتبا تحت عنوان «الهجوم القادم» ما يلي: «25 طائرة إف 15 وإف 25 وإف 16 حلقت من قواعد سلاح الجو الإسرائيلي في طريقها إلى المنشآت النووية مزودة بعشرات القنابل الخارقة للمخابئ الحصينة،

أغلبية هذه القذائف خصصت لتدمير المنشأة الأرضية لتخصيب اليورانيوم في إيران، وكان كافيا أن تنفجر قنبلة واحدة كبيرة في كل قاعة إنتاج حتى يُشل عمل المنشأة ويُزال التهديد النووي لسنوات طويلة»، ولم يكن هذا وصفا ل«قصف المنشأة النووية في سوريا وفقا للمصادر الأجنبية»، وإنما سيناريو بلوره خبيران أمنيان أميركيان، وهما وتني راس وأوستين لونغ، بصدد قدرة إسرائيل على مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية».

وابعد من ذلك ذكرت صحيفة «معاريف ـ 22 ـ 6 ـ 2007»: «ان سلاح الجو الإسرائيلي يدرب طياريه على القيام برحلات طويلة في إطار الاستعدادات لمواجهة التهديد النووي الإيراني»، بينما كانت تقارير إعلامية في صحف أجنبية نشرت في الأشهر الماضية معلومات مشابهة نقلا عن مصادر في جهاز الأمن الإسرائيلي،

ومنها صحيفة «صاندي تايمز» البريطانية التي أفادت مطلع العام الحالي بأن ضباطا إسرائيليين كبارا أقروا بأن سلاح الجو الإسرائيلي أعد خطة لمهاجمة المفاعل النووي في مدينة «نطنز» الإيرانية.

واستتباعا ـ وعلى مستوى الحملة الإعلامية الدبلوماسية النفسية الإسرائيلية كانت ـ وزارة الخارجية الإسرائيلية قد «بلورت سرا «حملة دولية ضد إيران»، تقودها ممثليات إسرائيل في كل أرجاء المعمورة، وذلك وفقا لورقة مهمات وتعليمات مفصلة تتلقاها من القدس ـ معاريف ـ من بن كسبيت ـ 08 ـ 05 ـ 2007»،

ثم صعدت وزارة الخارجية الإسرائيلية حملتها «بتنظيمها في واشنطن مؤتمرا لسفرائها ورؤساء بعثاتها الدبلوماسية في الولايات المتحدة وأميركا الشمالية يتركز في تلخيص النشاطات الهادفة لإحباط المشروع النووي الإيراني، برئاسة مدير عام وزارة الخارجية، أهرون أفراموفيتش ومساعده السياسي يوسي غال، وهما اللذان سافرا ليلة / 9/ 10/ 2007 إلى واشنطن».

وفي السياق الإسرائيلي ذاته كانت صحيفة معاريف العبرية قد استضافت ستة من كبار الجنرالات والخبراء الاستراتيجيين الإسرائيليين لتقدير الموقف الإسرائيلي في ظل الصراع الدولي مع إيران في قصة السلاح النووي الإيراني،

فقال الجنرال احتياط «عميدرور على سبيل المثال:»على إسرائيل ان تستثمر الكثير من الأموال والحرب النفسية حتى يفهموا في طهران أنها لو مست بأذى فإنه لن يبقى سوى عدد قليل من الإيرانيين ليعدوا موتاهم «، بينما قال البروفسور ايال زيسر من جهته «ان قدرة نووية إيرانية من شأنها ان تخلق مناخا نفسيا بانتصار الإسلام وهذا من شأنه ان يعزز التفكير بأن خراب إسرائيل إنما هو مسألة وقت فقط».

وتعتبر محافل إسرائيلية أخرى «ان إيران تشكل تهديدا وجوديا لإسرائيل «و«ان اللقاء الذي جمع قادة حماس مع الرئيس الإيراني وكذلك مع علي خامنئي إنما هو لقاء محور الشر الذي يريد خراب إسرائيل «، ما دعا الإدارة الأميركية إلى ان تبلغ إسرائيل «إنها ستمنحها غطاء دفاعيا في مواجهة أي هجوم إيراني عليها».

ولذلك فإن تصريحات الرئيس الإيراني المتتابعة حول «محو إسرائيل عن الخارطة الدولية «إنما تأتي في سياق طبيعي من العلاقات التصادمية بين «إسرائيل» وإيران، كما أنها تأتي ربما متأخرة كثيرا عن تلك النوايا والاستعدادات والخطوات والتهديدات الأميركية -الإسرائيلية لإيران وهي على مستويين:

الأول: المستوى السياسي ـ الإعلامي ـ الاستراتيجي:

ـ أميركيا: كان الرئيس بوش قد أعلن مبكرا يوم 1/ 10/ 2003 قائلا: «ينبغي على إسرائيل ان لا تشعر انها مقيدة في الدفاع عن نفسها، وجاء ذلك في سياق التحريض على إيران وسوريا».

وحول الملف النووي الإيراني أعلن الرئيس بوش على سبيل المثال يوم 27/ 6/ 2005، موقفا قاطعا قائلا: «لن نسمح لإيران بامتلاك قنبلة نووية»، بينما قالت كونداليزا رايس: «ان لا اتفاق مع حكومة إيرانية تريد القضاء على إسرائيل»، ما يعني استخلاصا إننا أمام استعداد أميركي واضح للسيناريوهات الحربية.

ـ أما إسرائيليا وفي الاستراتيجية الإسرائيلية، فالتصريحات والتهديدات ضد إيران لا حصر لها فيما يلي غيض من فيض منها:

كان بنيامين نتانياهو قد أعلن منذ عام 1998 «ان إيران ليست اقل خطرا على إسرائيل من العراق «، ثم جاء بن اليعازر وزير الحرب في حينه ليعلن «أن إيران تشكل الخطر الأكبر على إسرائيل»، وفي عهد شارون جاء وزير الخارجية سلفان شالوم

ليؤكد بدوره: «أن إيران تشكل تهديدا لوجود إسرائيل «هآرتس» 2003610»، ليأتي بعده شارون ليوسع دائرة التحريض ضد إيران خلال زيارة لموسكو في مطلع أكتوبر 2003 ليعلن: «ان إيران تشكل تهديدا على أمن العالم كله».

يضاف إلى كل ذلك كم كبير من التصريحات والتهديدات الإسرائيلية الصريحة ضد إيران لا مساحة لعرضها هنا:

الثاني: المستوى التخطيطي العملياتي:

لم تتوقف النوايا والتهديدات الأميركية ـ الإسرائيلية المبيتة ضد إيران عند السياسة والإعلام فقط، بل انتقلت عمليا إلى المستوى التخطيطي العملياتي مع سبق الإصرار.

وعلى هذا الصعيد نتابع التصعيد المشترك من قبل الإدارتين الأميركية ـ الإسرائيلية لرفع الملف الإيراني إلى مجلس الأمن وذلك في ظل حملات إعلامية تحريضية مفتوحة تهدف إلى تهيئة المناخات الإقليمية والدولية انتظارا لساعة الصفر؟

ـ فهاهو ديك تشيني كان المح مثلا إلى «احتمال تحرك إسرائيل عسكريا ضد طهران (الوكالات 20/ 1/ 2005)».

ـ وهاهو الجنرال الأميركي المعارض ويسلي كلارك يكشف النقاب عن «مخطط أميركي لمهاجمة مواقع وأهداف ومنشآت إيرانية انطلاقا من الأراضي العراقية».

ـ وها هي «الاوبزيرفر» تكشف النقاب بدورها عن «سينايو أميركي يقضي بضربات قاصمة للمواقع الاستراتيجية الإيرانية وإجبار طهران على الرضوخ».

ـ ثم تكشف لنا «دير شبيغل» الألمانية عن: «ان إسرائيل والولايات المتحدة تعدان لهجوم على إيران».

ـ لتأتي «الصاندي تايمز» لتشير إلى «أن الجيش الإسرائيلي اعد الخطة لمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية..وان مقاتلي وحدة شلداغ العسكرية يتدربون للقيام بالهجوم ضد إيران».

فيما كشفت صحيفة هآرتس النقاب عن «ان الحكومة الإسرائيلية أوكلت ـ عمليا ـ الملف النووي الإيراني للمؤسسات التالية:

ـ مجلس الأمن القومي الإسرائيلي

ـ لجنة الطاقة النووية.

ـ شعبة الاستخبارات في الجيش.

ـ وزارة الخارجية.

ـ وكذلك الموساد الإسرائيلي.

هذه هي المؤسسات الإسرائيلية التي تعمل منذ سنوات على مدار الساعة وتعد الدراسات والخطط والسيناريوهات المختلفة للإجهاز على الملف النووي الإيراني.

ليتبين لنا أن الملف النووي الإيراني قد دخل غرفة العمليات العسكرية الأميركية ـ الإسرائيلية، وان المسألة باتت مسألة وقت وتوقيت وفقاً للتقديرات المختلفة...؟

كاتب فلسطيني

naufzaru@yahoo.com