جاء الخطاب الديني ليكرم الإنسان وليعلي من مكانته وليرفع من قدره، في قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) صدق الله العظيم.
يقول الشيخ حسن الصفّار في مؤلفه القيم «الخطاب الإسلامي وحقوق الإنسان»: «عندما خلق الله تعالى الإنسان أقام له مهرجاناً كونياً للاحتفاء بولادته ووجوده، وأمر الملائكة بأداء مراسيم التحية والإكرام له بالسجود (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي، فقعوا له ساجدين، فسجد الملائكة كلهم أجمعون).
لقد ربط القرآن التكريم ببني آدم، أي أن التكريم للإنسان لكونه إنساناً. فالإنسانية ـ وحدها ـ علة في التكريم الإلهي للإنسان، وليس الدين أو المذهب أو الجنس أو الجنسية أو اللون أو اللغة، وعلى ذلك فالإنسان، أي إنسان، مخلوق مكرم لدى خالقه، كرمه الله سبحانه وتعالى بنفسه،
وهو لهذه الصفة ـ صفة التكريم الإلهي ـ له حقوق كاملة مثله مثل أي مخلوق آخر مكرم دون تمييز أو مفاضلة، ولا يجوز لأحد ـ دولة أو جماعة أو فرد ـ أن يمس كرامته أو ينتهك حقوقه أو يحرمه من حرياته.
وعلى ذلك فإن موضوع (حقوق الإنسان) جزء من عقيدة المسلم وإيمانه، ومقتضى ذلك أنه يجب على المجتمع الإسلامي أن يحافظ على حقوق الإنسان ويجعلها جزءًا من ثقافته ويتمثلها في سلوكياته ومعاملاته وعلاقاته عبر ثقافة الحوار والتسامح وقبول الآخر وإعلاء قيم الحرية والعدل والمساواة.
ولنتساءل الآن إلى أي مدى اتسق الخطاب الديني والخطاب القرآني في موضوع كرامة الإنسان وحقوقه؟ وهل استطاع أن يتمثل ذلك التكريم الإلهي للإنسان في خطابه السائد؟ هل استطاع أن يترجم مضامين التكريم الإلهي للإنسان في خطابه التعليمي أو الدعوي أو الوعظي أو في هيئة فتوى أو حتى في جانبه السياسي الصحوي؟ هل يواكب الخطاب الديني الخطاب القرآني في إعلائه قيمة مكانة الإنسان لكونه إنساناً؟
لا أتصور ذلك، لا في الخطاب الديني القديم والمتمثل في الكتب الفقهية التراثية ولا في الخطاب الديني المعاصر عبر الفضائيات والمواقع الإلكترونية ومنابر المساجد وفي الصحف والمجلات والأشرطة الدينية المنتشرة والكتيبات التي توزع مجاناً.
لو كان الخطاب الديني القديم يؤمن بكرامة الإنسان ـ حقاً ـ لما جوّز ما يسمى بالجهاد الابتدائي (جهاد الطلب) وهو يعني قتال الكفار لا لعدوان حصل منهم على المسلمين وإنما لمجرد كونهم كفاراً وتخييرهم بين الإسلام أو القتل إلا أن يكونوا كتابيين فأمامهم خيار ثالث هو الجزية.
ولو كان يعتقد بكرامة الإنسان ـ فعلاً ـ وأن له حقوقاً مصونة لما ضيق على النصارى واليهود واضطرهم إلى حافة الطريق وألزمهم بلباس معين ومنعهم من بناء دور لعباداتهم ـ لا يزال الخطاب الديني في الكويت يصادر حق (البهرة) في بناء مسجد لهم بحجة أنها طائفة ضالة ومنحرفة.
لو كان الخطاب الديني يتبنى الكرامة الإنسانية الشاملة لما قال بتجزئة الكرامة وأنها خاصة بالمسلمين ثم ضيق الدائرة أكثر بتخصيصها في اتباع المذهب فقط وما عداهم من المخالفين والمبتدعة لا ينطبق عليهم عنوان التكريم وتستباح بعض حقوقهم المادية والمعنوية كما يقول الشيخ الصفار.
لو كان الخطاب الديني يؤمن بقيمة الإنسان لما أيّد ممارسة التمايز واللامساواة ضد المرأة في كافة حقوقها ولما قال إن ديتها نصف دية الرجل ولما فرض الوصاية عليها في كافة تصرفاتها، ولما طالب بتهميش دورها المجتمعي والتنموي.
لو كانت الكرامة الإنسانية، قيمة عليا مؤصلة في الخطاب الديني لما حفلت الكتب الفقهية بأقوال تقول بنجاسة الكافر وأنه لا يقتل مؤمن بكافر وأن ديته نصف دية المسلم، ولما استمر الخطاب الديني المعاصر في الدعاء على الكفار ولعنهم ولما صدرت فتاوى تلزم المسلم بإضمار العداوة لهم إذا سكن في ديارهم.
لقد وصلت النزعة اللاإنسانية في بعض الفتاوى التي يذكرها الشيخ الصفار في كتابه فيقول: سئل أحد العلماء المعاصرين عن مشروعية إغاثة غير المسلمين ـ وأيضاً ـ غير المتمذهبين بمذهبه من المسلمين، عند الكوارث: فكان جوابه بالرفض القاطع وبعبارات تنضح بالكراهية والازدراء.
فقال (نرى عدم دفع المساعدات لغير المسلمين الذين هم أعداء الدين ولو ماتوا جوعاً، ولو قتلهم البرد أو الحر أو الغرق أو الهدم، لاعتبار ذلك عقوبة من الله على كفرهم وبدعهم) هكذا تفعل اللا إنسانية والتعصب الأعمى في صاحبها!!
وسئل مرة أخرى: إذا كان المتضررون أغلبهم مبتدعة فهل يجوز للمؤسسات الخيرية الإسلامية مساعدتهم؟ فقال: لا يجوز للمسلمين مساعدة المبتدعة كالرافضة والقبوريين ـ يقصد المتصوفة ـ وأهل الديانات المبتدعة كالنصيرية والدروز والقاديانية والسيخ والبريلوية والبعثية ونحوهم... ويعتبر ما أصابهم من غرق أو خسف أو قحط أو مرض كعقوبة من الله فلا يجوز إعانتهم.
ويبلغ التعصب عند هذا الشيخ الذي لا نود ذكر اسمه ولكنه يمثل شريحة كبيرة من المشايخ الذين يرون رأيه ومذهبه حتى يقول: يجب على المسلمين من أصل السنة بغض أهل البدع ومقتهم وتحقيرهم كالرافضة والمعطلة والقبوريين والأباضيين،
كما يجب على المسلم عند كثرتهم وتمكنهم في البلاد، البعد عنهم للتخلص من شرهم. ولنا أن نتساءل: هل هذه الفتاوى تصدر عن نفسية تؤمن بكرامة الإنسان أم نفسية مريضة بالتصعب الأعمى؟
عندما ضربت كارثة (تسونامي) جنوب آسيا، تداعت شعوب المجتمعات الغربية وتفاعلت منظماتها الخيرية وسارعت بتقديم العون والمساعدة بينما تثاقلت وتباطأت مجتمعاتنا ووصلت بلادة المشاعر الإنسانية لدى بعض المشايخ أنهم اعتبروا ما حصل عقوبة إلهية لانحراف تلك المجتمعات.
ولذلك لا نعجب في أن جل اهتمام الخطاب الديني هو الدعوة إلى المزيد من الالتزام بالعبادات والشعائر والمبالغة في التحذير من المعاصي ومن فتنة المرأة والاختلاط. والخطاب الديني في شغل شاغل في إقامة التحصينات ضد ما يعتبره غزواً فكرياً من الغرب
وهو يبحث عن حلول في التراث القديم ويسارع إلى اتهام المخالفين بتهم التكفير والتفسيق سواء من العلمانيين أو من المذاهب الدينية الأخرى. أما اهتمام الخطاب الديني بحقوق الإنسان فضعيف وأما تصديه للانتهاكات التي يتعرض لها المسلم في ديار المسلمين فمعدوم، ويبدو أن قضايا الحريات والحقوق خارجة عن اهتمامات الخطاب الديني..
بل إنه يناصر التضييق على الحريات وبخاصة حريات التعبير والإعلام والتفكير وحرية المرأة.. ولو آل الأمر إلى أصحاب الخطاب الديني لصادروا الكتب وسجنوا المفكرين ونكلوا بالمعارضين السياسيين وأقفلوا الفضائيات ومنعوا الصحف وألزموا المرأة بيتها.
طالب الأزهر مؤخراً بمصادرة كتاب أحمد راسم النفيس (رحلتي مع الشيعة والتشيع) ـ لقد كان من تداعيات غياب البعد الإنساني في الخطاب الديني أن أصبحت مجتمعاتنا، الأعلى في تقارير انتهاك الحريات ـ عالمياً.
وفي حين نجحت التجارب الديمقراطية وأثمرت عند الآخرين تعثرت مجتمعاتنا في تحولها الديمقراطي، وما ذلك إلا بسبب حالة (الممانعة) التي رسخها الخطاب الديني في بنية مجتمعاتنا، فعوقت المسار الديمقراطي وعطلت تفاعلها مع العصر ومعطياته.
وكانت الثمار المرة لهذا الخطاب المهمش لكرامة الإنسان، فكر التطرف والكراهية والإقصاء وهي الثلاثية التي أنتجت ثقافة (العنف) متمثلة في (القاعدة) في أبرز تجلياتها.
كاتب قطري