العملة الورقية الخضراء من فئة المائة دولار ربما تغير من «مضون» طبعتها بعد فترة لدواعي أمنية كما يقولون في الولايات المتحدة. لكن مضمون الدولار الذي يهم العالم يجب أن يكون في قيمته التبادلية التي تعد بها الحكومة الأميركية مقابل كل دولار في يد أية دولة أو مؤسسة أو فرد أينما كان في هذا العالم. غير أنه بين الوعد والوفاء به تقف السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
هذه السياسة غيرت بالفعل لون الدولار الأخضر ( الذي يرمز للحياة) للأصفر الذي يعني الشحوب. ولا يبدو أن لهذا الاصفرار من نهاية. فقبل ثلاثة أسابيع تقريبا كان صندوق النقد الدولي يؤكد بأن هبوط الدولار سيكون طفيفا فقط.
وبعدها بعشرة أيام فقط عاد الصندوق على لسان شخصه الأول رودريغو دي راتو ليدهش المراقبين الاقتصاديين محذرا من أن الدولار سيظل ينخفض طوال السنوات الثلاث - الخمس المقبلة. البلبلة التي تثيرها تصريحات مسؤولي صندوق النقد الدولي تجد أساسها في ديماغوجية تصريحات كبار الموظفين الأميركيين أنفسهم.
وتقول الكاتبتان الاقتصاديتان يوليا لوكشينا وآنا فيرسوفا أن الأميركيين يرددون دائما بأن الدولار يجب أن يصبح قويا، لكنهم لا يبذلون أي جهد من أجل ذلك. بل، على العكس من ذلك، يمارسون ضغطا شديدا على الصين لكي تعزز وضع عملتها الوطنية «اليوان» مقابل الدولار.
وإذا عرفنا بأن المؤسسات المالية الدولية، كصندوق النقد والبنك الدوليين، تمارس ذات الضغط على الصين يمكن أن نفهم اتهام الصين للبنك والصندوق بأنهما يتبعان سياسات تمثل المصالح الأميركية التي تقتضي انخفاض الدولار وارتفاع اليوان. وبذلك تضمن الولايات المتحدة أن يتعزز وضعها التصديري تجاه الصين وبلدان أخرى.
في الخليج تقتضي المصالح الأميركية حالة معكوسة تماما، أي ارتباط عملاتنا الخليجية بالدولار والغوص معه انخفاضا حتى القاع. وقد يجبر ذلك الدول الخليجية على الاتجاه لزيادة وارداتها من الولايات المتحدة على حساب الدول الأخرى. ووسيلتا الضغط في ذلك هما بقاء الاستثمارات الخليجية في الولايات المتحدة الأميركية على هيئة دولارات، وبقاء الدولار الوحدة الحسابية الوحيدة في سوق النفط العالمية.
ويحدث هذا بعكس الاتجاه العالمي. ففي حين أفاد تقرير رأس المال الأجنبي الصادر عن الخزينة الأميركية أن استثمارات الأجانب في السندات الأميركية انخفضت خلال الأشهر الماضية، فإن تقريرا لمعهد التمويل الدولي أشار إلى أنه في الفترة من 2002 إلى 2006 بلغت فوائض بلدان مجلس التعاون 542 مليار دولار، ذهب منها نحو 300 مليار دولار إلى الولايات المتحدة، بينما كان نصيب أوروبا 100 مليار وآسيا 60 مليار دولار.
وحسب خبراء سعوديين فإن قيمة الأصول المملوكة للحكومة السعودية وحدها، وفي شهر أغسطس الماضي وحده انخفضت بما يعادل 2. 1% بسبب تراجع سعر صرف الدولار الأميركي. وفي حين تسعى دول العالم إلى فك ارتباطها بالدولار وكان آخرها ما أعلنته السودان،
ولو أنها سببت إجراءها بالحظر الذي تفرضه عليها أميركا، ولمحت إليه أوكرانيا، مشيرة إلى أن معظم الصفقات التي أبرمت بالدولار ستبدو خاسرة بعد فترة، فإن معظم دول مجلس التعاون الخليجي ظلت تصر على ارتباط عملاتنا الوطنية بالدولار الأميركي كقدر. غير أننا نسمع الآن شيئا آخر.
فبعد التردد الذي أبداه تكرارا مسؤولو المال الخليجيون حول مسألتي موعد العملة الخليجية الموحدة والارتباط بالدولار بين نعم ولا، وعلى إثر تحذيرات صندوق النقد الدولي الأخيرة من احتمال حدوث انهيار مفاجئ كبير في سعر صرف الدولار قريبا بدأنا في الأسبوع الماضي نلحظ صحوة جديدة نتمنى أن تدوم.
فقد بدأ الحديث مجددا عن أن أهمية مراجعة الارتباط بالدولار. ويفترض أن يكون محافظو المصارف المركزية في بلدان «التعاون» قد أنهوا يوم أمس ( كتب المقال في 27. 10. 2007) اجتماعهم لمراجعة الجدول الزمني لطرح العملة الخليجية الموحدة. ونشطت الدعوات على مستويات حكومية وغير حكومية لعقد لقاءات مغلقة وغير مغلقة لمناقشة هذه المسائل.
لم يعد أحد يخفي الآن بأن واقع الاقتصاد الأميركي غير مبشر على المدى المتوسط، وأن سفينة الدولار تغرق، وبات الفرار ملحا. وقد يكون من الصعب على بعض دول المجلس أن تتخذ قرارها منفردة بشأن فك الارتباط كما فعلت الكويت أو بالاستقلال في تحديد سعر صرف عملتها الوطنية عن قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كما فعلت السعودية.
لكنه عندما تتوصل دول المجلس مجتمعة إلى قرار سياسي بتذليل الصعوبات الفنية لتحديد موعد قريب لإعلان العملة الخليجية الموحدة فإن هذا سيساعدها على أن تتخذ - مجتمعة - قرارا سياديا بشأن حق تقرير مصير العملات أو العملة الوطنية قبل أو بعد إعلان العملة الموحدة. وكذلك توحيد سياساتها في كل ما له علاقة بالاستثمار أو بالدفع بالدولار الأميركي.
إن لدى صانعي السياسات المالية والنقدية في الولايات المتحدة ما هو أهم بكثير من مراعاة مصالح دول الخليج. بل ان ما يبدو ظاهره إيجابي كارتفاع أسعار النفط، خصوصا في الأيام الأخيرة، يمكن أن ينقلب سلبيا على الاقتصاد الخليجي بسبب الدولار ذاته.
ففي تعليق طازج لهيئة الإذاعة البريطانية على الارتفاع الأخير لسعر برميل النفط الذي بلغ 92 دولارا مع نهاية الأسبوع الماضي، قالت بأن سعر 38 د/ب الذي كان في بداية الثمانينات مع قيام الحرب العراقية الإيرانية يعادل الآن ما بين 96 - 101 د/ب. هذا التآكل في سعر برميل النفط أصبح واضحا حتى في المقارنات الشهرية لسعر صرف الدولار خلال هذا العام.
والمسؤولون الأميركيون يعرفون ذلك جيدا. وفي يوم الجمعة الماضي أعلن نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني بصراحة أنهم لن يضخوا نفطا من مخزونهم الاستراتيجي لخفض أسعار النفط في الأسواق العالمية،
وأن الأهم هو الاحتفاظ بالنفط في تلك المستودعات التي بنيت بعد أزمة عام 1973 احتياطا لكل طارئ. المقصود بهذا الطارئ احتمال شن العدوان على إيران وتدهور الوضع في الخليج برمته.
كاتب بحريني