احتفل العالم قبل أيام باليوم العالمي للعصا البيضاء الذي يصادف الخامس عشر من شهر أكتوبر من كل عام. وهو اليوم الذي أوصى الأعضاء الفخريون بالمجلس العالمي لرعاية المكفوفين في اجتماعهم الذي عقد في شهر فبراير من عام 1980م بباريس أن يكون اليوم العالمي للعصا البيضاء التي بدأ استخدامها عام 1931م .

لتكون رمزاً لاستقلالية المكفوفين، تساعدهم في التحرك بحرية دون مساعدة أحد، وتمكنهم من القيام بأمور حياتهم المختلفة دون الاعتماد على الآخرين، من خلالها يستطيع المكفوفون الانتقال بأمان ليمارسوا دورهم في مجتمعاتهم ويحاولوا تفادي العوائق وتحديد مواقع الأشياء، تحميهم من الإصابة بالأضرار المختلفة، وتزودهم بالمعلومات عن الأماكن.

وتمثل (العصا البيضاء) رمزاً يشير إلى أن حاملها كفيف وأن حملها يسهل له العديد من المهام، إذ أنها تساعده على معرفة نوع الأرض التي يسير عليها وتحديد العقبات التي تعترض طريقه ومعرفة نوعها، وتقيه من الاصطدام بها،

وتعينه على تحديد مساره وتتبع الأرصفة والجدران أثناء السير ومعرفة المنحنيات والتعرف على علامات الطريق، وتقيه من الوقوع في الحفر التي تعترض طريقه، وتساعده على معرفة عرض الطريق واتساعه والسفر والترحال باستقلال تام.

ونظراً لكل هذه المهام التي تقوم بها العصا البيضاء فقد أصدر الاتحاد الدولي للمكفوفين قانوناً يؤكد أن للمكفوفين الذين يستخدمون (العصا البيضاء) الحق في ارتياد الأماكن العامة مثل المبصرين.

وهذا يعني أن لهم الحق في أن يحملوا العصيَّ البيضاء، وأن يصطحبوا الكلاب خلال تجوالهم داخل هذه الأماكن والأبنية والمكاتب والمطاعم والمسارح والمتاحف والمتاجر وأماكن العمل، وفي الحافلات والسيارات والقطارات والطائرات وجميع الأماكن العامة.

كل هذه الامتيازات التي تتيحها العصا البيضاء لحامليها تجعلنا نحسد المكفوفين على ما توفره لهم وتدفعنا إلى أن نتمنى لو استطعنا نحن المبصرين أن نحمل عصا شبيهة لها تساعدنا على معرفة نوعية الأرض التي نقف ونسير عليها، وتحديد العقبات التي تعترض طريقنا، ومعرفة خطوط سيرنا، والتعرف على علامات الطرق التي نمشي فيها كي تقينا من الوقوع في الحفر والتعثر بالمطبات التي تعترض طريقنا.

نحن بحاجة إلى العصا البيضاء أكثر من المكفوفين لأن كثيراً منا لا يرى معالم الطريق التي أمامه فيتخبط في سيره ويتعثر في مشيه. ولأن (العصا البيضاء) ليست نوعاً واحداً وإنما هي أنواع، فربما كنا بحاجة إلى كل نوع من أنواعها في موقف من المواقف التي نتعرض لها.

فنحن بحاجة إلى (العصا الرمزية) التي يستخدمها المكفوفون وضعاف البصر والمسنون أيضاً للدلالة على أن صاحبها لديه مشكلة ما في «الإبصار» لأننا كثيراً ما نعاني مشكلات في «البصيرة» تجعلنا نتنكب الطريق السوي ونسلك طرقاً لا تقودنا إلى الأهداف الصحيحة التي نسعى إليها.

ورغم أن هذا النوع من العصيِّ لا تتوفر بها المعايير اللازمة للعصا البيضاء إلا أنها ضرورية لأنها ستجعل الآخرين يستدلون على أن لدينا مشكلة ما، ولذلك فهي أشبه ما تكون بذلك القنديل الذي حمله ذات يوم أحد العميان كي يراه المبصرون فلا يصطدموا به.

ونحن بحاجة إلى (العصا الإرشادية) التي يستخدمها المكفوفون لمعرفة نوع الأرضية التي يسيرون عليها وحواف الأرصفة ودرجات السلالم التي يرتقونها لأننا كثيراً ما نجهل الأرضيات التي نقف عليها فنغالي في تقدير قوتنا،

ونجهل نوع الأرض التي نسير عليها فتبتلعنا الرمال المتحركة، ولا نعرف حواف الأرصفة التي تحيط بنا فنتعثر بها ونقع على وجوهنا، ونسيء تقدير المسافات بين درجات السلم الذي نرتقي عليه فنسقط على قمة رؤوسنا، ولا نعرف كيف نحمي أنفسنا فنتعرض للكثير من السهام التي تخترقها وتُسيل من دمائنا الكثير الذي يفقدنا قوتنا.

ونحن بحاجة إلى (العصا الطويلة) التي هي أكثر العصيّ استعمالاً في التنقل والترحال بصورة مستقلة من قبل المكفوفين الذين يستطيعون بواسطتها أن يكتشفوا العقبات التي قد تعترض طريقهم قبل الاصطدام بها،

لأن أكثر ما يعيق انطلاقنا ومسيرتنا هو عدم استطاعتنا اكتشاف العقبات التي قد تعترض طريقنا قبل الاصطدام بها، ولو قُدِّر لنا أن نكتشف هذه العقبات لوفرنا على أنفسنا الكثير من الوقت والجهد الذي نبذله للوقوف على أرجلنا من جديد بعد اصطدامنا بتلك العقبات وتعثرنا.

ونحن بحاجة إلى (عصا هبل) التي تشبه مضرب التنس وتستخدم في الأرضيات غير المناسبة للعصا الطويلة مثل المناطق ذات التضاريس الوعرة والطرق الصخرية، فنحن كثيراً ما ندخل مناطق ذات تضاريس وعرة ونسلك طرقاً صخرية من الصعب السير فيها،

ومع ذلك نعتقد أننا قادرون على دخولها والسير دون مساعدة من أحد، اعتداداً زائداً بأنفسنا أو غروراً لا ندرك أنه مهلك حتى نشارف على الهلاك فيصبح الندم وقتها نوعاً من البكاء على اللبن المسكوب الذي لا ترجى منه فائدة.

ونحن بحاجة أخيراً إلى (عصا إلكترونية) كتلك التي تصدر ترددات فوق صوتية يشعر بها الكفيف عندما تصطدم بعقبة معينة في طريقها وتستطيع اكتشاف كل العقبات في جميع الاتجاهات على مسافة أمتار من موقعها، فنحن كثيراً ما تخوننا حواسنا الظاهرة والخفية عندما نكون في حالة انطلاق نحو تحقيق أهداف تتجاوز قدراتنا،

مدفوعين بطموحاتنا الكبرى وتطلعاتنا التي تجعلنا نغفل عن أن هناك حدوداً لقدراتنا، وأن الطموح يجب ألا ينسينا قواعد الصعود التي أولها تحسس مواقع الأقدام حتى لا تكون قفزاتنا في الهواء، وحتى لا نطأ بأقدامنا أحداً ونحن في طريقنا نحو القمة التي نسعى إلى ارتقائها غير عابئين بما حولنا ومن حولنا.

نحن بحاجة إلى أكثر من (عصا بيضاء) تساعدنا على تحديد معالم الطريق وتعيننا على تجاوز العقبات التي تعترضنا. وفي يوم (العصا البيضاء) نقول: طوبى للمكفوفين لأن هناك عصا تعينهم على تجاوز محنة «فقد البصر» التي يعيشونها، أما نحن فبحاجة إلى أكثر من عصا تعيننا على تجاوز محنة «فقد البصيرة» التي هي من أكبر المحن وأشدها وأكثرها ظلاماً وظلماً.

كاتب إماراتي

aliobaida2000@hotmail.com