لو كانت السلطات الأميركية واثقة تماماً بأنها تمتلك ضده أدلة قانونية دامغة لما قامت بتسليمه إلى حكومة بلاده، المواطن العربي علي لطفي لاغا ظل محتجزاً وراء القضبان في معتقل غوانتانامو الأميركي سييء الصيت لمدى خمس سنوات دون محاكمة بل حتى دون أن يوجه إليه أي اتهام محدد.

وتسليمه إلى السلطات الأمنية في بلده العربي يعني أمرين:

أولاً: أن سلطات وزارة الدفاع الأميركية صاحبة معتقل غوانتانامو لم تعثر بعد خمس سنوات من الاستجواب المصاحب بالتعذيب المنظم على أدلة يمكن أن تصمد أمام إجراءات قضائية في المحاكمة المدنية الأميركية.

ثانياً: إن السلطات الأميركية تعلم علم اليقين أن السلطات الأمنية في الدولة العربية التي ينتمي إليها لاغا لا تشتغل بشيء يطلق عليه «سيادة القانون» أو القاعدة العالمية بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.. وتعلم أيضاً أن التعذيب المنهجي للمعتقلين السياسيين لمدى سنين متصلة يستند إلى سياسة أمنية ثابتة.

المواطن لاغا كان مع ذلك محظوظاً نسبياً، فلأن قصة ترحيله القسري وردت تباعاً في وسائل الإعلام الغربية العالمية فإن احتجازه رهن التعذيب استغرق شهوراً عوضاً عن سنوات.. ولنفس السبب تلقى حكماً قضائياً بالسجن لثلاث سنوات عوضاً عن إعدام أو سجن مؤبد كما هو الإجراء الروتيني لدى محاكم أمن الدولة العربية.

أما صحيفة الاتهام التي وجه بها في المحكمة فإنها أقرب إلى منشور سياسي منها إلى بيان قضائي. فقد اتهم بممارسة القتال في صفوف جيش حركة طالبان في أفغانستان في سياق الحرب بين الحركة وخصومها من الفصائل الأفغانية الأخرى الموحدة داخل ما أطلق عليه «تحالف الشمال».

مبلغ علمنا أن الحرب الأهلية الأفغانية التي اشتعلت عام 2001 كانت تدور على أراض أفغانية وليس على أراضي الدولة العربية التي ينتمي إليها المواطن لاغا. وماذا لو قاتل لاغا في صفوف فريق أفغاني ضد فريق أفغاني آخر: ما علاقة دولته العربية بالأمر، لكنها التبعية السياسية.

فالحكومة العربية المذكورة تصنف حركة طالبان الأفغانية كعدو للولايات المتحدة وبالتالي فهي بالضرورة عدو للدولة العربية التي ينتمي إليها لاغا. هذا هو المعيار. ومن المفارقات أن آلافاً مؤلفة من الشباب العرب من مختلف البلدان العربية شاركوا كمقاتلين في حرب عقد الثمانينات في صفوف الفصائل الأفغانية التي كانت تشن الحرب ضد قوات الاحتلال السوفييتية.

ولم تكتف الحكومات العربية بتشجيع الشباب العرب المتطوعين بل أطلقت عليهم لقب «مجاهدين».. فقد كانوا يقاتلون نيابة عن الولايات المتحدة وأجندتها الاستراتيجية. من المفارقات أيضاً أن محاكمة المواطن لاغا تزامن معها بيان تقر فيه السلطات الأميركية بأنها «أساءت التعامل» مع قضية رجل عربي اعتقل في مطار أميركي عام 2002 بشبهة «الإرهاب» وجرى ترحيله إلى بلده العربي.

لكن السلطات الأميركية تعتذر الآن علناً بأن اعتقاله وترحيله القسري كان خطأً. وربما يسأل سائل: لماذا لا يفرج إذن عن نزلاء معسكر غوانتانامو، باعتبار أن اعتقالهم كان خاطئاً وإلا لقدموا إلى محاكمة؟، والإجابة هي أن حالتهم تختلف عن حالة المواطن ماهر عرار الذي استحق الاعتذار. ذلك أن عرار يتمتع بقدسية جنسية غربية فهو يحمل الجنسية الكندية.

لا يملك المرء إلا أن يستشعر حزناً عميقاً متجدداً نحو مصير نزلاء غوانتانامو ما بين بقائهم تحت التعذيب اليومي داخل المعتقل الأميركي القبيح أو ترحيلهم قسراً إلى بلدانهم لإيداعهم معتقلات عربية أقبح.