لغة العقوبات شائعة في هذا الزمن الشرق أوسطي، كشيوع النزاعات والعنف، بلدان وأطراف متعددة يستهدفها هذا السلاح. من إيران الحرس الثوري ـ إلى غزة؛ انتهاء بكردستان العراق ومروراً بدارفور.
القاسم المشترك بينها يتمثل بخطين: أنها مفروضة بصورة أحادية من خارج الأمم المتحدة. وثانياً، أن هذه العقوبات تسبب بها غياب، طوعي أو عسفي للحوار. فكانت، إجمالاً، وسيلة انتقام ومعاقبة من طرف واحد. وبذلك فهي، بصرف النظر عن مدى جدارتها وجدواها، أداة تأزيم وتصعيد مفتوح على مواجهات ميدانية.
والأشد خطراً فيها أنها تؤسس للمزيد من ضمور دور الأمم المتحدة؛ فيما تفتح الطريق واسعاً أمام نهج تصفية الحسابات بصورة مباشرة، في النزاعات الدولية والإقليمية؛ وبالتالي التمادي في التفلت من الضوابط والآليات التي يقتضيها الالتزام بالقوانين والأعراف الدولية.
العقوبات التي أعلنتها مؤخراً واشنطن ضد الحرس الثوري الإيراني؛ تعتزم إدارة بوش مطالبة دول أخرى للعمل بها. سلكت هذا السبيل من جانبها لتعذر استحصالها على قرار بفرض عقوبات من هذا النوع؛ من مجلس الأمن الدولي.
امتنع هذا الأخير لأنه لا يرى ما يبرر هذا الإجراء. لكن في الأساس أميركا اختارت اللجوء إلى هذا السلاح لأنها عازفة عن الدخول في حوار مباشر مع طهران حول الملف النووي. كذلك الأمر في غزة، حيث قررت حكومة أولمرت شد خناق الحصار حول القطاع؛ بتقليص إمدادات الوقود والكهرباء. خيار كان البديل لرفض الحوار؛ الذي رفضته أيضاً إدارة بوش.
واشنطن في الماضي كانت تتحاور مع ألد خصومها، في موسكو وبكين. في زمن إدارة بوش تمتنع عن اللقاء مع أي مختلف معها. الأدهى من ذلك، بالنسبة إلى غزة، أن الفلسطينيين أنفسهم لا يجلسون مع بعضهم. لكن ذلك لا يبرر، بكل حال، عزوف واشنطن عن اللقاء مع من لا يرون الأمور بمنظارها.
ضربها عرض الحائط بهذا الخيار ـ الحوار ـ الذي أثبتت التجارب انه الأجدى والأقل كلفة ـ تجربتها هي مع كوريا الشمالية ـ، شجع بل حفز غيرها على أخذ الأمور بيده في هذا المجال. فها هي تركيا تهدد بمعاقبة إقليم كردستان العراقي؛ بسبب حوادث الحدود. صحيح ان إجراء المقاطعة الاقتصادية أخف وأقل خطورة من الحروب وويلاتها.
لكن الصحيح انه كان المدخل لنزاعات عسكرية. الملف العراقي شاهد ساطع. خاصة وأن العقوبات التي ليس لها طابع دولي وغير الصادرة عن المنظمة الدولية؛ لا تشكل أداة فعالة، وتأثيراتها تبقى محدودة وبالتالي هي تتحول لتكون بمثابة المفتاح للتأزيم والتصعيد؛ المحكوم بنتيجة محتومة ومعروفة.
وفي حالات معينة ترافقت هذه العقوبة مع التلويح بالقوة. بل التهديد بها، كما هو حاصل الآن، في أزمة الحدود التركية ـ العراقية. ومن هنا تبدو فوضى العقوبات الاقتصادية وكأنها الغطاء المموه لاستخدام القوة؛ عاجلاً أم آجلاً الأمر الذي يستوجب استدراك هذا السطو المتفاقم لما ينبغي أن يبقى بمثابة امتياز حصري للمجتمع الدولي ـ ما عدا حالات قطع العلاقات بين دولتين ـ كي يؤتي ثماره.
والأهم كي يبقى البديل عن الحروب؛ والذي يعود للأمم المتحدة وحدها اللجوء إليه. خنق شعب بالعقوبات الاقتصادية، بسبب خلافات سياسية؛ ليس سوى قصاص جماعي لا يسوغه القانون الدولي. ولا سبيل لوقف هذا التوجه
إلا بإعادة الاعتبار إلى الحوار وأهميته في تسوية النزاعات ومعالجة الإشكالات أو قطع الطريق على الانفجارات، وبالتحديد بين الصغار الذين طالما لعب الكبار على خلافاتهم لتسويغ تجاوزاتهم على القوانين والأعراف الدولية.