قرار الحكومة الاسرائيلية بفرض عقوبة جماعية تدريجية على منطقة شمال القطاع يدعو للتساؤل حول مغزاه وخلفياته والدوافع الكامنة وراءه . وهو بكل المقاييس ووفقا لكافة الاعتبارات يعد عقوبة جماعية مدانة على الصعيد الدولي والانساني ، وليس من المنطقي أو القانوني اللجوء إلى هكذا اجراء مهما كانت الذرائع التي استندت إليها السلطات الاسرائيلية وهي تتخذ هكذا قرار يتنافى مع أبسط حقوق الانسان والمواثيق الدولية الخاصة بحماية المدنيين الواقعين تحت احتلال فعلي مهما حاولت اسرائيل وصف قطاع غزة بأنه كيان معاد لا يخضع للاحتلال العسكري المباشر.

هناك اجماع على المستوى الدولي بان قطاع غزة ما يزال خاضعا للسيطرة الامنية الاسرائيلية: فالمعابر التي تصل عبرها المواد الاساسية تتحكم فيها السلطات الاسرائيلية بالكامل بل وتمنع خروج ودخول المواطنين الا وفق قيود في منتهى الشدة.والمطار مدمر وتحت رحمة الجيش الاسرائيلي يدخله وقتما يشاء والمياه الاقليمية للقطاع تسيطر عليها البحرية الاسرائيلية ، فأي كيان هذا الذي تتحدث عنه اسرائيل لمجرد التضليل وذر الرماد في العيون؟

إن المقصود من وراء هذه العقوبة الجماعية يتجاوز الحجج التي تذرعت بها الحكومة الاسرائيلية ليصل حد محاولة تحقيق مكاسب سياسية من خلال تطويع الفصائل الغزاوية لقبول اشتراطات لم يكن بالامكان القبول بها اصلا، ومن المشكوك فيه أن يتم قبولها حاليا حتى مع فرض التقنينات الجديدة على الوقود وإمدادات الكهرباء.وقد تحدثت بعض التقارير عن اتصالات اسرائيلية مع حركة حماس لفتح المعابر مقابل منع اطلاق الصواريخ محلية الصنع على البلدات الاسرائيلية شمالي النقب .ومع أن حركة حماس نفت هذه التقارير فان مجرد نشرها له دلالة واضحة على النوايا الاسرائيلية التي تستهدف استغلال الانقسام الفلسطيني الداخلي لانتزاع مكاسب كان من غير الممكن الحصول عليها في الظروف الاعتيادية.

والسؤال الذي يطرح نفسه في ضوء هذا الاجراء الاسرائيلي هو : ما الذي ستحققه اسرائيل من وراء زيادة معاناة المواطنين الابرياء في القطاع؟لقد جربت السلطات الاسرائيلية فرض مثل هذه العقوبات الجماعية وما هو أشد منها في السابق ومنذ بدء الاحتلال وكانت النتيجة فشلا ذريعا لهذا النوع من الاجراءات، بل ربما أدت العقوبات الجماعية إلى عكس المقصود منها تماما : فما الذي تتوقعه السلطات الاسرائيلية من المواطنين المحرومين من الوقود والكهرباء سوى المزيد من مشاعر الاحباط واليأس الذي يدفع بهم بعيدا عن الاقتناع بجدوى العملية السلمية وربما إلى التطرف والعنف؟.

هناك مشكلة أمنية لاسرائيل في القطاع وهي ترد عليها يوميا بغارات جوية وعمليات بريةتحصد العشرات من المواطنين بين شهداء وجرحى . وقد لايكون من المناسب المقارنة بين الخسائر الاسرائيلية والفلسطينية في الارواح والممتلكات من منطق أن العنف لا يبرر العنف،غير أن ما يعانيه المواطنون في القطاع من الحصار والعمليات العسكرية الاسرائيلية يكفي ويزيد، وليس من الانساني أو القانوني أن تزيد اسرائيل من معاناتهم بعقوبات جماعية أثبتت التجارب المؤلمة في الماضي القريب أن ضررها أكبر من نفعها هذا إن كان لها أي منافع على الاطلاق.