لم يشكل ما أعلنه الزعيم الليبي معمر القذافي أمس من فشل لمفاوضات سلام دارفور التي طال انتظارها واحتضنتها مدينة سرت الليبية، مفاجأة لمتابعي تطورات الملف المعقد وأزمته المزمنة، فقد كان مصير تلك المحادثات واضحا منذ اعلان فصائل رئيسية في حركات التمرد مقاطعتها للقاء الذي رعته الامم المتحدة والاتحاد الافريقي واحاطتاه بهالة من التصريحات الاعلامية دون ان توفرا له من الاسباب والوسائل ما يحقق له النجاح المنشود.
هذا الفشل المبكر لمحادثات سرت يعكس بالدرجة الاولى اخفاق المنظمتين ومن ورائهما المجتمع الدولي وقواه الكبرى التي اصمت آذان العالم بحديثها عن السعي لتحقيق السلام في دارفور وحماية حقوق الانسان فيه، دون ان تكلف نفسها عناء الضغط على حركات التمرد التي برهنت من جديد برفضها حضور المحادثات على عدم جديتها في السعي لتحقيق السلام بالاقليم، واكدت من خلال ذلك الموقف ما توجهه لها الحكومة السودانية من اتهامات وما يتحدث عنه العديد من المراقبين والمحللين من نيات مبيتة لدى تلك الفصائل لاطالة امد الحرب في الاقليم وتعميق معاناة ابنائه خدمة لاجندات خارجية لاتخفي سعيها لزعزعة استقرار السودان وتمزيق وحدته الترابية.
وفي المقابل، فان الحكومة السودانية التي لا يكف الغرب عن تحميلها مسؤولية ما يشهده الاقليم من مآس ولا يفوت فرصة دون تهديدها بتشديد العقوبات الاقتصادية وبالخيار العسكري ايضا، قد سجلت في محادثات سرت امس موقفا اثبتت من خلاله صدق توجهاتها لتحقيق السلام ورغبتها في تمهيد أرضيته وإرساء أسسه، وذلك باعلانها في افتتاح المباحثات وقف اطلاق النار من جانب واحد في الاقليم، وتعهدها بالتزامه.
وبذلك تكون حكومة الخرطوم قد أخلت مسؤوليتها امام شعبها وأمام العالم واقامت الحجة على خصومها من المتمردين ومن يقف وراءهم، وقذفت الكرة في مرمى المجتمع الدولي الذي دعته من موقع قوة سياسية واخلاقية الى تحمل مسؤوليته في تقديم دعم حقيقي لجهود السلام في الاقليم ومعاقبة من لا يحترمون وقف اطلاق النار فيه.
