محنة الأكراد طويلة، ومشكلتهم الشخصية أن أي انتعاش لقضيتهم وانسجامها مع مطالبهم يتجه قادتهم إلى الصعود بآمالهم لما فوق المنطقي، ولعل هذا أحد أسرار مشاكلهم التي دخلت أعقد الحالات السياسية الصعبة، في التحالفات مع وضد من يؤيدهم، أو يقاتلهم.

فقيادتا الحزبين الكرديين العراقيين تنتهجان الماركسية والشيوعية، ولكن في عدة أجساد، وقد حاولوا في تحالفاتهم شرقاً وغرباً أن يديروا معاركهم بمهارة المحترفين السياسيين، لكن في غالب الأحيان ما تصرفوا ضد تقديراتهم، ليقعوا في أخطائهم.

الآن، وهم في أحسن أحوالهم السياسية، حيث انسجمت الأحزاب مع القيادة ونجحوا في تحويل وطنهم إلى المكان الآمن في العراق، والمبشر بإحداث تغييرات إيجابية في الاستقرار والإعمار وجذب الاستثمارات، جاء الاحتكاك مع تركيا بأسباب قد تقود إلى أزمات تهدد كيانهم، خاصة وأن هذا البلد الكبير، يحتضن أكبر نسبة من الشعب الكردي، وعملية أن يُختزل أمن تركيا بتصرفات المتمردين، ويظل التعاطف معهم أساسياً من قبل أكراد العراق، لا يتناسب وحجم المسؤولية وحتى الخطط التكتيكية التي من المفترض أن تقودها القيادة في العراق.

فإذا افترضت أنها القيّم والمدافع عن أكراد العالم فهي بهذا التصرف تدفع الأتراك والإيرانيين، والسوريين، وكل من لديه أقلية منهم إلى إعلان الحرب عليهم، وهذا ما لا يتوافق وتبني أسلوب الحكمة والتصرف من خلال الممكن والمستحيل، لأن هذه الدول التي تجاور الكيان الكردي العراقي لن تسمع بقيام دولة تكون نواة لإنشاء كردستان الكبرى، وحتى لو وجد الحق الطبيعي الذي تفرضه أخلاقيات إنسانية، فالعامل السياسي يختلف تماماً عن الصورة التي يرى فيها كرد العراق آمالهم وطموحاتهم، وحتى ما يأتي من تصريحات وتعليقات، ومحاولة التمسك بقشة أمريكا كراعية لهم في تأسيس الفيدرالية العراقية على نمط إدارتهم لكيانهم، فأمريكا لديها رؤيتها التي تحدد اتجاه بوصلتها، ومنطلقاتها فهي تحتاج تركيا، ولو كانت على حالة من الانسجام مع سورية وإيران، لربما لم يجد الأكراد حتى التعاطف معهم، ولعل الأسلوب الأمثل أن يصلوا بحلولهم إلى ما يؤمّن ساحتهم أولاً قبل التفكير بخلق الكيان الأكبر، والذي له تعقيداته واستحالته.

تصرف المتمردين، أجبر تركيا على فرض شروط محرجة وصعبة على الحكومة العراقية والقيادة الكردية، وكذلك أمريكا، لأن ما تتحدث عنه الحكومة التركية أنها تطالب بمكافحة الإرهاب الذي يعتبر العنوان والهدف لأمريكا في حروبها في المنطقة وخارجها، ثم إن الإخلال بوحدة وطنية، فجَّر غضب الدولة التركية، وجعلها في حِل من التزاماتها التي جاء على رأسها تجميد الغارات والحروب، ومثل هذا الاستفزاز لا تقبله أي سلطة سواء كانت مدنية جاءت من خلال انتخابات ديموقراطية، أو عسكرية دكتاتورية.

موضوع استفزاز تركيا ليس في صالح الأكراد العراقيين، وحتى لو جاءت التصريحات والأحاديث عن استهدافهم مع سبق الإصرار، فالمشهد العام يثبت أن البادئ هم المتمردون وقد لا يكون لأكراد العراق سيطرة عليهم، لكن تعاطفهم يثير الأزمة مع تركيا، والتي لا تحتاج إلى استفزاز وهي التي قادت حروباً طويلة، ولا تزال لديها نفس الرغبة، مدفوعة بالمحافظة على كيانها، ومن هنا يأتي السؤال هل الاندماج مع الشعوب والحكومات التي يتواجد فيها الأكراد، أفضل وأكثر سلامة، أم أن حلم الدولة الكبرى هو الذي له الأولوية رغم المخاطر الصعبة؟ هذا ما يجب أن يفهمه الأكراد ويجيبوا عنه.