شنت شركة«بلاك ووتر» الأمنية الأميركية الخاصة في الأيام الأخيرة حملة علاقات عامة لمحو الصورة السوداء التي أحاطت بها في أعقاب قتل عناصرها من المرتزقة 17 مدنيا عراقيا في ساحة النسور ببغداد في نوفمبر الماضي، محاولة تبرير الجريمة، بزعم أنهم كانوا يردون على نيران مماثلة.

غير أن الفضيحة التي تضاف إلى سجل الفضائح المنتفخ للاحتلال في العراق بحق المدنيين، لا يمكن أن تغسله آلاف الحملات الدعائية، التي يحاول واضعوها التنصل من مسؤولية قتل أبرياء بدم بارد.

«بلاك ووتر» ليست وحدها التي سعت إلى تجميل صورتها الملطخة بدم الأبرياء العراقيين، فقد حاولت الخارجية الأميركية التي تواجه حملة انتقادات لضعف إشرافها على الشركات الأمنية الخاصة، إلى تخفيف حدة الأزمة التي قوبلت بغضب عراقي عارم، على الطريقة الأميركية عبر النظر إلى كل شيء من منظور مادي بحت، لا يضع اعتبارا ولا يقيم وزنا لأرواح البشر طالما كانوا غير أميركيين.

وعلى سبيل المثال شرعت السفارة الأميركية في بغداد، في تقديم تعويضات مالية هزيلة لأسر ضحايا «بلاك ووتر»، الذين رفضوا العرض لأنه يسقط حقهم في مقاضاة الشركة الأميركية التي توظف أكثر من ألف من المرتزقة للعمل على ارض الرافدين.

وأمام الضغوط المتزايدة على الخارجية الأميركية في فضيحة ساحة النسور قدم مسؤول الأمن في وزارة الخارجية الأميركية ريتشارد غريفين استقالته التي قيل إن وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس قبلتها.

استقالة الرجل جاءت غداة نشر تقرير داخلي يطالب بمراقبة أفضل على الشركات الأمنية الخاصة التي توفر الحماية للدبلوماسيين الأميركيين في العراق.

على الجانب العراقي قالت الحكومة العراقية إنها تعتزم قريبا إحالة مشروع قانون للبرلمان لوضع المتعاقدين (المرتزقة) الأمنيين الأجانب التابعين لشركات خاصة تحت السلطة القضائية العراقية وإنهاء حصانتهم من المحاكمة التي منحها إياهم مرسوم أصدره الحاكم الأميركي السابق للعراق بول بريمر عام 2004.

كل هذه المساعي لاحتواء أزمة «بلاك ووتر» لن تجدي نفعا مع استمرار قتل المدنيين العراقيين الذين يتربص بهم الموت من كل جانب وليس فقط من قبل شركات الأمن الخاصة وفي مقدمتها أمثال «بلاك ووتر» الأميركية و«يونيتي ريسورسيز غروب» الاسترالية و«ارنست» البريطانية وجميعها ضالع في إزهاق أرواح وجرح أبرياء بعد أن تملك الصلف والغطرسة طواقمها من المرتزقة الذين وفر لهم بريمر الغطاء القانوني لأعمال شريعة الكاوبوي في إطلاق النار بلا عقاب.

فإضافة إلى هذه الشركات لا يكف الجيش الأميركي نفسه من وقت لآخر عن قتل المدنيين العراقيين الأبرياء، قبل أن يسارع إلى تقديم الاعتذار والاعتراف بالخطأ، حتى نفد رصيده من بنك الأسف لدى العراقيين الذين ملوا من الاسطوانة الأميركية المشروخة عن استهداف المسلحين قبل أن تذهب صواريخهم إلى صدور المدنيين الأبرياء بفعل معلوماتهم الاستخبارية غير الدقيقة.

ولا يقتصر الأمر على الغارات التي قد يتعلل الأميركيون بخطأ غير مقصود في التصويب على هذا المنزل أو ذاك رغم أنها حجج واهية بالنسبة لجيش اكبر قوة في العالم، وكلنا يتذكر الجريمة التي شهدتها بلدة حديثة عندما أطلقت مجموعة من الجنود الأميركيين النار على مدنيين عراقيين فقتلت 24 بينهم أطفال ونساء في نوفمبر عام 2005. هؤلاء الأبرياء سقطوا بعد انفجار لغم أدى إلى مقتل جندي من مشاة البحرية الأميركية (المارينز).

والغريب أن الجيش الأميركي لم يجر تحقيقاً في الفضيحة قبل يناير2006 حين عرضت لقطات فيديو عن الحادث قام بالتقاطها أحد نشطاء حقوق الإنسان.

سجل قتل العراقيين على يد الجنود الأميركيين ومرتزقة الشركات الأميركية، اكبر من أن تمحوه حملة علاقات عامة هنا أو عرض تعويضات على أسر الضحايا هناك، وستبقى جرائم الطرفين وصمة عار في جبين قوات الاحتلال ومن يلف في دوائرها.