عقب كامب ديفيد والمعاهدة المصرية ـ الإسرائيلية كانت الهجمة على مصر تريد حلاً تاريخياً لا تسوية سياسية، ومن هنا كانت أميركا تدفع بكل أوراقها من اجل تثبيت القطيعة بين مصر وعالمها العربي، ومن أجل ترسيخ واقع جديد تنكفئ فيه مصر على همومها الداخلية مع التلويح بان المساعدات الخارجية (الأميركية أساساً) سوف تحقق الرخاء بعد سنوات من الشدة ترافقت فيها متطلبات الأمن القومي ومواجهة التحدي الإسرائيلي مع متطلبات التنمية التي حرمت منها مصر طويلاً قبل ثورة يوليو.

وكان التصور عند واشنطن وتل أبيب أن نصوص المعاهدة وما فرضته من إجراءات للتعاون «الرسمي» في مجالات مختلفة.. من السياحة إلى التجارة والزراعة والثقافة، سوف تؤدي إلى فرض «التطبيع» الكامل للعلاقات، وهو الأمر الذي رفضه شعب مصر على مدى ما يقرب من ثلاثين عاماً، استعادت فيها مصر علاقتها العربية، ولم تنجح كل الضغوط والإغراءات في جر شعب مصر إلى مصيدة «التطبيع» مع من يغتصبون الأرض العربية ويدنسون الأقصى ويحتقرون الشرعية الدولية ويرفضون السلام الحقيقي القائم على إعادة الحقوق لأصحابها والتخلي عن أحلام التوسع والتهديد بالقوة وبالدعم الأميركي.

لكن الأخطر كان يدور على جبهة أخرى هي الأهم بالنسبة لعدو يعيش على الحروب ويستهدف التوسع ويدرك أن القوة الأساسية القادرة على مواجهة أطماعه هي مصر. كانت المعاهدة قد فرضت قيوداً على التواجد العسكري المصري في سيناء، ولكن ذلك لم يكن كافياً لاطمئنان الكيان الصهيوني.

وكانت مصر تمر بفترة تجديد لآلتها العسكرية بعد سنوات من الاعتماد على الاتحاد السوفييتي السابق كمصدر أساسي للسلاح، وكانت الولايات المتحدة قد تعهدت بتقديم مساعدات عسكرية (واقتصادية) لطرفي المعاهدة (مصر وإسرائيل) تشجيعا للسلام بينهما.

في ظل هذه الظروف بدأ الترويج الأميركي لضرورة تغيير «العقيدة العسكرية «للقوات المسلحة المصرية.. فمادامت هناك معاهدة «سلام» بين مصر وإسرائيل، ومادام هناك تأكيد على أن حرب أكتوبر هي آخر الحروب بين البلدين، ومادام الطرفان يعتبران أميركا هي الحليف الأكبر الذي يرعي المعاهدة بينهما، فلماذا تظل العقيدة العسكرية في مصر قائمة على أن الخطر الأكبر على أمنها هو إسرائيل؟ ولماذا تظل استعداداتها قائمة لمواجهة عدوان غير مستبعد من حدودها مع الكيان الصهيوني؟

طبعاً لم يكن هناك على الجانب المقابل حديث عن «العقيدة العسكرية «لإسرائيل، وهل أخرجت مصر من حساباتها العسكرية أم لا؟ ولم يكن هناك حديث أميركي عن مفاعل ديمونة ولا عن ترسانة من الأسلحة النووية مكدسة على حدود مصر.

ولم يكن هناك حديث أميركي عن توازن قوي تقيمه وترعاه ويؤمن لإسرائيل أن تكون قوتها العسكرية الذاتية أقوى من القوة العسكرية للدول العربية جميعاً. ولم يكن هناك حديث أميركي عن نوايا إسرائيل ومخططاتها، وهل تعتبر هي الأخرى حرب أكتوبر هي آخر الحروب، أم أن الكيان الذي لا يعرف إلا لغة القوة المسلحة لن يتوقف عن استخدامها أو التهديد بها لفرض أرادته على المنطقة؟

وعلى مدى سنوات جرت محاولات كثيرة لكي تحول العسكرية المصرية أنظارها من حدودها الشرقية إلى حدود أخرى، ولعل ابرز المحاولات كانت أولا، ما جرى في عهد الرئيس السادات على خلفية تصاعد خلافاته مع العقيد القذافي، وبعد اشتداد الحملات الإعلامية المتبادلة وترافقها مع تفجيرات حدثت في القاهرة، وأعقبتها حشود عسكرية مصرية على الحدود مع ليبيا وغارات للطيران، لكن الأمور سرعان ما هدأت بعد هذه الإجراءات «التحذيرية «ولم يفلح التحريض الخارجي في اعتبار الحدود الغربية هي «الجبهة «بدلاً من الشرقية كما كان الأمر وما زال.

الواقعة الأخطر كانت في عهد الرئيس مبارك، وإثر المحاولة التي وقعت في أديس أبابا لاغتياله أثناء توجهه لحضور القمة الأفريقية. وبعد أن تبين أن من قاموا بالمحاولة من المرتبطين بجماعات متطرفة إسلامية تقيم قواعد لها في السودان وترتبط بأجنحة في الحكم هناك.

ورغم الغضب والمشاعر الثائرة في القاهرة، فقد رفض مبارك كل محاولات التحريض لتوجيه ضربة انتقامية لحكومة الخرطوم والتي كانت على خلاف شديد مع القاهرة في ذلك الوقت. وكان هذا الموقف موضع خلاف شديد مع الولايات المتحدة الأميركية التي كانت تمارس ضغوطاً شديدة لاستغلال ما حدث في أديس أبابا لدفع الأمور إلى صدام كان سيتجاوز بالقطع تصفية الحسابات بين الأنظمة إلى المس بالعلاقات التاريخية بين شعبي وادي النيل.

من هذه الواقعة وغيرها أدركت الأطراف كلها أن العقيدة العسكرية لمصر غير قابلة للتغيير، وان أنظار مصر لن تتحول عن حدودها الشرقية، تماماً كما أن عيون العدو لم ولن تتحول عن مصر، وتصريحات مسؤولية لم تتوقف عن التأكيد بان مصر ستظل الخطر الأكبر الذي لا ينبغي أن تغفل عنه إسرائيل.

وبعدها توارت «أمنيات» تغيير العقيدة العسكرية، حتى عادت في الأسبوع الماضي ولكن في لبنان، حين فاجأ مساعد وزير الدفاع الأميركي «اريك اولمان» اللبنانيين أثناء زيارته بيروت بالحديث عن حاجة الجيش اللبناني لتغيير «عقيدته العسكرية» فلم يعد مقبولاً من الولايات المتحدة وهي تعد بزيادة المساعدات لهذا الجيش الذي اثني على «احترافيته» أن يظل هذا الجيش يعتبر إسرائيل عدوا، وان يعتبر سوريا صديقة !!

وبعد أن يشدد المسؤول الأميركي على ما ستقدمه أميركا من معدات وأسلحة وما تعرضه من شراكة استراتيجية يؤكد أنه لا يرى سبباً على الإطلاق للعداء بين لبنان وإسرائيل.

السلاح الأميركي للبنان ـ وفقاً لمساعد وزير الدفاع الأميركي ـ مرتبط بان يتحول هذا الجيش من داعم للمقاومة إلى حليف لإسرائيل، وكما يقول المسؤول الأميركي فإن هذا التحول «سوف يستغرق سنوات» ولكن المهم أن يبدأ كما بدأ البعض تحولاتهم على المستوى السياسي في نفس الطريق.

ولعلنا نلاحظ هنا أن وليد جنبلاط الذي كان يزور أميركا في نفس الوقت كان يردد تصريحاته التي أصبحت جزءاً من الفولكلور السياسي في لبنان والتي يعبر فيها عن عدائه لنظام الحكم في سوريا ويحرض أميركا على أن تكرر في سوريا ما فعلته في العراق!! لكن المثير للانتباه في تصريحاته الجديدة هو تأكيده على»ضرورة خروج لبنان من الصراع العربي الإسرائيلي».

لكن تصريحات جنبلاط وغيره من السياسيين شيء، وتصريحات مساعد وزير الدفاع الأميركي شيء آخر. فالجيش اللبناني هو المؤسسة الأساسية (وربما الوحيدة) التي تجسد وحدة شعب لبنان، ووطنية هذا الجيش (وليست احترافيته وحدها) هي التي وفرت الدعم للمقاومة وهي التي منعت لبنان حتى الآن من الانزلاق إلى صراع طائفي تسعى أطراف كثيرة إلى زج لبنان في أتونه. ومن هنا تبدو خطورة تصريحات المسؤول الأميركي عن تغيير «العقيدة العسكرية «لجيش لبنان الوطني الذي لا يجد المسؤول الأميركي سبباً لأي عداء بينه وبين إسرائيل !!

حديث المسؤول الأميركي (أكثر من أي شيء آخر) يجسد ضراوة المعركة التي تخوضها أميركا في لبنان. إنها لا تريد فقط حليفاً في الحكم، ولا تريد فقط تغييراً في السياسات، وقد يكون صحيحاً حديثها عن قواعد عسكرية لها أو لا يكون، ولكن هذا كله ليس بيت القصيد. فالأهم أن تتغير العقيدة، وأن يخرج لبنان من عروبته، وأن تنتهي للأبد مرحلة كانت فيها إسرائيل هي العدو، وسوريا والعرب هم الأهل والأشقاء!!

وربما كان هذا الأمر دافعاً للفرقاء اللبنانيين لان يدركوا جميعاً حاجتهم للقاء حول نقطة أساسية هي الحفاظ على لبنان وطناً عربياً لجميع أبنائه، ومن هنا تتسارع التحركات لتفادي المأساة وإنقاذ الموقف، وأظن أن التفاوض على رئيس جديد لن يكون مشكلة إذا انطلق الجميع من منطلق وطني خالص.

وإذا كانت هذه التحركات قد قطعت شوطاً كبيراً تجاه التوافق، وإذا كانت أوروبا قد أدركت أن مصالحها تصب مع هذا التوافق، فإن الموقف الأميركي يبدو ـ حتى الآن ـ بعيداً عن تعديل مساره.

ولعل اللقاء المقبل بين الرئيس الأميركي والرئيس الفرنسي ساركوزي في بداية الشهر المقبل يكون حاسماً في كشف الموقف الأميركي الذي قد لا يستطيع فرض ما يريد، ولكنه يستطيع وضع العراقيل في طريق التوافق.

والأمر يحتاج إلى رسالة عربية واضحة تؤكد الالتزام بوحدة لبنان وعروبته وتضع كل الإمكانيات العربية من اجل إنقاذ الوضع وتفادي الانجرار إلى الانفجار الذي تسعى إليه أطراف إقليمية ودولية.. ومرة أخرى هل من لقاء سريع بين القاهرة والرياض ودمشق على هذا الطريق؟!

نقيب الصحافيين المصريين