تحدثنا في المقالة الماضية عن الفيدرالية وإمكانية تطبيقها في دولة مثل العراق واعتبرنا أن الفيدرالية ليست شرا على الإطلاق وإنما هي واحدة من أشكال الدول القائمة في عالم اليوم وتعتبر حلاً ومخرجاً جيداً لأوضاع العديد من دول العالم من ضمنها العراق.
دولة الإمارات هي واحدة من الدول الخمس والعشرين في العالم التي تتخذ الفيدرالية كنظام لشكل الدولة. ما كان لدولة الإمارات أن تقوم في بداياتها إلا بصيغة النظام الفيدرالي الذي كفل للإمارات حريات وحقوق وأعطى الدولة الاتحادية حريات وحقوقاً أخرى. كانت الفكرة هي ضم مشيخات المنطقة في دولة اتحادية واحدة تستطيع من خلالها مواجهة تحديات تلك الفترة. وحدث ما تم التخطيط له حيث تشكلت دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر عام 1971، واليوم تشارف الدولة الاتحادية على دخول عامها السابع والثلاثين.
لقد قامت دولة الإمارات على أساس النظام الفيدرالي أي النظام الاتحادي الذي يعطي الإمارات المحلية والدولة الاتحادية مجموعة من الصلاحيات التي من المفترض أن تختلف عن بعضها البعض؛ وهذا أمر مفهوم وطبيعي في جميع الأنظمة الفيدرالية المعمول بها في عالم اليوم.
ولكن الإشكالية تبرز في تزايد التساؤلات حول مستقبل الدولة الفيدرالية مع تعاظم دور المحليات في مقابل تراجع دور الاتحادي. الفكرة الأساسية للنظام الفيدرالي قائمة أساسا على محاولة خلق التوازن بين ما هو محلي وما هو اتحادي كي لا يطغى طرف على الآخر؛ فطالما أن هناك توازناً بحيث لا يوجد طرف يعلو على الطرف الآخر فإن الأمور جيدة وأن النظام الفيدرالي يعمل وبنجاح.
لكن في حالة الإخلال بذلك التوازن فإن النظام الاتحادي سيواجه مشكلة في بقائه كنظام فيدرالي، حيث إنه إذا طغى الاتحادي على المحلي فإننا أصبحنا أقرب أن نكون إلى دولة وحدوية من كوننا دولة اتحادية، وإذا طغى المحلي على الاتحادي أصبحنا كذلك أقرب إلى الشكل الكونفيدرالي منه إلى الفيدرالي. لذلك فعملية التوازن بين الاتحادي والمحلي ضرورية للغاية للمحافظة على أسس ومبادئ الفيدرالية الحامية لحقوق جميع الأطراف.
ما يحدث اليوم في دولة الإمارات تفسره لنا مدرستان من مدارس التفكير القيادي للنظام الفيدرالي في الدولة. فهناك المدرسة الاتحادية التي تعتبر أن الاتحاد هو الأساس وأن التركيز على الاتحاد أمر ضروري ومهم ولا بد أن يأتي في مقدمة أولويات صناع القرار السياسي في الدولة. وأصحاب هذه المدرسة يعتبرون أن التوازن المفترض وجوده بين الاتحادي والمحلي قد تم الإخلال به لصالح المحلي على حساب الاتحادي.
أي ما كان هو المسؤولية المباشرة للدولة الاتحادية أصبح اليوم مسؤولية الحكومات المحلية؛ فالتعليم والصحة والإعلام والطيران وغيرها من القطاعات الاتحادية أصبحت اليوم قطاعات يمارسها الطرف المحلي وبطريقة منافسة بل ومهمشة لما يجب أن يقوم به الطرف الاتحادي، الأمر الذي يراه أصحاب هذا التيار أمر مضعف للدور الاتحادي الذي، وكما يقولون، لا بد وأن توضع معظم الموارد والمصادر من أجل الدفع به إلى الأمام.
وهناك أصحاب المدرسة المحلية الذين يرون عكس ما يراه أصحاب المدرسة الاتحادية. فأصحاب المدرسة المحلية يقولون إن التركيز على المحليات أمر ضروري من أجل رفع مستوى حياة المواطن والمقيم ولتكون تنمية المحليات مكملة لتنمية ونهوض العمل الاتحادي.
كما أنهم يعتبرون أن التركيز على المحلي ضروري من أجل تخطي عقبات الاتحادي التي تعرقل عملية الدفع بالتنمية إلى الأمام. فهؤلاء هم أصحاب التيار المنادي بتقليص حجم الحكومة المركزية من خلال تفعيل المحليات وإشراكها في تسيير أمورها بنفسها.
كلٌ من هاتين المدرستين في وجهة نظرنا له مبرراته العقلانية. فالاتحاد مهم لأنه يقدم خدماته لشريحة أكبر من المجتمع، والمحلي مهم أيضاً لأنه يقوم بما لا يقوم به الاتحادي أو بما قد يتأخر الاتحادي عن القيام به.
لذلك فإننا نرى أن وجود العمل على المستوين المحلي والاتحادي ضروري للغاية من أجل دفع مسيرة الدولة الاتحادية من جهة ومسيرة الإمارات المحلية من جهة أخرى. لكن المطلوب هو عدم طغيان أحدهم على الآخر، حيث إنه لا يجوز للاتحادي أن يطغى على المحلي ولا يجوز للمحلي أن يطغى على الاتحادي.
فلا يجوز مثلا أن يكون أحدهما مصدر جذب والآخر مصدر طرد للكفاءات الوطنية، كما يحدث اليوم من هجرة للكفاءات الوطنية وغيرها من الوظائف الاتحادية إلى الوظائف المحلية لمجرد وجود حوافز ودوافع مادية أكبر في المحليات عنه في الاتحادي.
فالدولة الاتحادية بحاجة إلى مثل تلك الكفاءات للنهوض بالدولة الاتحادية، لذلك لا يمكن أن نجعل العامل المادي الحافز وراء استنزاف العقول والكفاءات الاتحادية بعيدا عن العمل الاتحادي.
فالتوازن مطلوب ولا يمكن للتوازن أن يتحقق في هذا السياق إلا بمساواة الاتحادي بالمحلي في المردود المادي وجعل الحوافز الأخرى غير المادية هي المحرك الأساسي لتلك الكفاءات كي تختار بين الاتحادي أو المحلي كلا حسب ما يمكن أن يقدمه لهم من حوافز غير مادية.
دولة الإمارات ستدخل قريبا عامها السابع والثلاثين وهذا في حد ذاته إنجاز كبير لهذه الدولة الفتية؛ وما كان لهذا الانجاز أن يتحقق من دون تعاون قائم بين المحلي والاتحادي، فلنعمل على جعل ذلك التعاون أكثر إثماراً في تحقيق التوازن بين المحلي والاتحادي كي يكمل بعضهما البعض.
جامعة الإمارات