في ظل رائحة البارود الكريهة وأشباح الحروب المجنونة التي تحيط بالمنطقة العربية والإسلامية وفى القلب منها منطقة الخليج العربي، وعلى وقع الأصوات الشاذة التي تروج لشن الحروب التي لن تحقق نصرا لطرف أو هزيمة لآخر، ولن يسلم منها المهاجم ولا المدافع ولا الذي اختار أن يتفرج دون التحرك بضغط جدي كاف لإبعاد مخاطرها.
ومع المؤشرات المثيرة للقلق على الإعداد لمغامرة أو مقامرة أميركية خاسرة جديدة لشن هجوم ضد إيران خلال الأشهر القليلة المتبقية للرئيس بوش، كشفت نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأميركي، أن تكاليف 40 يوماً في حرب العراق يمكن أن توفر الرعاية الصحية لنحو 10 ملايين طفل لمدة عام كامل، وقدر آخر تقرير للكونغرس أن كلفة الحرب العراق وأفغانستان ستتجاوز حجم ما أنفقته الولايات المتحدة على الحرب الكورية والفيتنامية، وقدر التقرير النفقات على الحربين الفاشلتين الحاليتين بنحو 1700 مليار دولار.
وإذ قدرت صحيفة «الإندبندانت» البريطانية أن الرئيس الأميركي سينفق أكثر من تريليون دولار «على مغامراته العسكرية في أفغانستان والعراق حين يترك منصبه بنهاية العام المقبل»، فلاندرى نحن كم سيبلغ حجم الاستنزاف من الخزينة الأميركية على حساب المواطن الأميركي إذا اندفع في حرب فاشلة جديدة لا يعرف لها أفق، وأوضحت الصحيفة أن هذا الرقم أكبر مما أنفقته الولايات المتحدة في الحرب الكورية والحرب الفيتنامية معا، وبينما ثبت للعالم أكثر من مرة وفى أكثر من موقع على امتداد قارات العالم أن الحوارات السياسية في الخلافات بين مكونات الدولة الواحدة وليست الاقتتالات الأهلية هي أقصر وأسلم الطرق.
وأن الحلول السلمية لا العسكرية في النزاعات بين الدول هي الأقل كلفة، وأن الحروب الدولية والنزاعات الأهلية المسلحة لا تحل المشاكل بقدر ما تزيد المشاكل تعقيدا، وهي الأكثر خسارة لكل أطرافها، فمازال هناك في هذا العالم صناع حروب وتجار حروب وأمراء حروب، يفتعلون أسبابا لها، ويصبون الزيت على نيرانها، ويقطعون الطرق على صناع السلام المخلصين لمنع إطفائها.
وفي زمن تستطيع فيه أعتى الإمبراطوريات أن تبدأ حربا لكنها تعجز أن تنهيها أو تنتصر فيها، أو تحتل أرضاً لكنها تعجز عن إخماد المقاومة فيها، أو تقتل العديد من مقاوميها، لكنها تعجز عن قتل روح المقاومة لدى شعبها، أصبح شن الحروب نوعاً من العبث بل نوعاً من الجنون، لقد تغيرت في عالم اليوم حقائق ومعادلات القوة بحيث لم تعد تستطيع القوة العسكرية وحدها حسم الصراعات، وحيث أصبح من المستحيل في الحروب الحديثة أن يكون فيها منتصر أو مهزوم، بل الكل فيها غير منتصر وغير مهزوم.
والحروب الدولية نوعان، حروب عدوانية ظالمة تعتمد على القوة غير مشروعة لأن العدوان محرم ومجرم في كافة الشرائع السماوية والقوانين الدولية، وحروب دفاعية عادلة ومشروعة تنتهج سبيل المقاومة، باعتبار الدفاع عن النفس والأرض والبشر حق مشروع، وفيما عدا الحروب الدفاعية المفروضة التي من المشروع مقاومتها، يجب أن يتحرك العالم لمنع أى حرب ولإطفاء نيران كل حرب، أما الحروب الأهلية فالأصل أنها كلها غير مشروعة لأنها بين مواطنين ومواطنين لوطن الجميع الواحد.
ولم يعد لميزان القوة العسكرية دون الحق تحديد نتائج المعارك، بل أصبح ميزان العدالة الإنسانية أولاً والإلهية أخيراً هو الفيصل، وإلا أين أعتى الإمبراطوريات عبر التاريخ التي احتلت نصف الكرة الأرضية الآن؟..وإلا كيف استطاعت الشعوب الصغيرة بالمقاومة إجبار أعتى الإمبراطوريات على الرحيل عن أرضها وطرد الاستعمار من بلادها وإعلان الاستقلال رغماً عن إرادة المستعمرين؟
لقد ظل الحق دائما فوق القوة، وسيبقى الحق غالبا فوق القوة، ولم يثبت التاريخ بعد في المعارك بين القوة والحق أنها حسمت لصالح القوة إلا لحين من الدهر، لكنها تحسم في الغالب لصالح الحق، بشرط ألا يفقد أصحاب الحق إرادة المقاومة والثقة في انتصار الحق.