مع تواصل الاستعدادات لانعقاد مؤتمر الخريف بين الفلسطينيين والإسرائيليين في مدينة أنابوليس بولاية ميريلاند الأميركية، يتزايد قلق رجل الشارع العربي على مستقبل قضية كانت يوما في مقدمة أولويات العرب.

القلق العربي لا ينبع من فراغ، بل من خلال مؤشرات لا تحتاج إلى كثير من التدقيق، حتى يدرك المراقب للأحداث خطورة المرحلة المقبلة والنتائج التي يمكن أن تنجم عنها سواء بالنسبة للفلسطينيين أو العرب.

وسواء عقد المؤتمر في نوفمبر أو ديسمبر، كما ينادي البعض، فإن الأهم هو ما سيخرج به من نتائج. فالإسرائيليون ومن خلال رئيس حكومتهم أولمرت، لا يريدون الدخول في صلب القضايا الجوهرية، والاكتفاء بالخروج بإعلان نوايا، والأميركيون حددوا من البداية سقف التوقعات، حينما أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية صراحة أمام الكونغرس، أن حل الدولتين في خطر، بل إن الأدهى والأمر أن ترجع رئيسة الدبلوماسية الأميركية ذلك إلى الفلسطينيين.

وليس إلى الإسرائيليين الذين لا يريدون سلاما حقيقيا وعادلا، ويستمرون في مصادرة الأرض وقتل الفلسطينيين وتجويعهم وإرهابهم، وإلا كيف يمكن تفسير تصريحات أولمرت التي أعلن فيها أنه لا مساس بالقدس، ولا عودة للاجئين؟ وكيف يمكن فهم تهديدات باراك وزير الدفاع بقطع الكهرباء عن قطاع غزة إذا تجدد القصف الصاروخي للمستعمرات الإسرائيلية؟.

في ضوء هذه المواقف المسبقة أميركيا وإسرائيليا، يبقى تساؤل: على أي شيء سيتفاوض الفلسطينيون والإسرائيليون؟ ولماذا يذهب الفلسطينيون إلى مؤتمر يعرفون مسبقاً أنهم لن يحصلوا منه على الفتات؟ التساؤل نفسه موجه إلى عواصمنا العربية، فلماذا تحضر مؤتمرا يصفي قضيتهم الأولى، ومن خلاله يفتحون أبوابهم للإسرائيليين؟

وإذا كانت الإدارة الأميركية معنية بإنقاذ رئيسها في عامه الأخير من خلال تحقيق انفراج على الجبهة الفلسطينية الإسرائيلية، فهذا شأنها، شرط أن يكون ذلك حقيقيا وعادلا، لا أن يتم على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه. ومرة أخرى يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام تحد جديد يفرض عليهم الوحدة وتناسي الخلافات والارتفاع فوق جروح الماضي والحاضر، لان الثمن سيكون فادحا، وتدرك تل أبيب وواشنطن ذلك جيدا وتعملان بكل الوسائل لتقوية فريق على آخر.

ولو بتقديم الفتات له، لإدراكهما أن وحدة الصف الفلسطيني، هي وحدها الكفيلة بتقوية ودعم المفاوض الفلسطيني المطالب من جانبهما بالتنازل عن ثوابت القضية وحقوق أبنائها. وإذا كانت الفصائل الفلسطينية مطالبة بالتوحد والارتفاع إلى مستوى الحدث، فإن عواصمنا العربية، وأمام تحديات المرحلة الحالية، مطالبة هي الأخرى بالتنسيق فيما بينها.

والتفكير مليا في كل خطوة، وتقدير الربح والخسارة من ورائها، خاصة أن المقدمات والمؤشرات الآتية من واشنطن وتل أبيب، تؤكد فيما لا يدع مجالا للشك، أن المطلوب من الفلسطينيين حضور المفاوضات دون الحصول على شيء، ومن العرب المشاركة وفتح سفارات لإسرائيل في عواصمهم،والتطبيع معها مقابل إعلان نوايا لا يسمن ولا يغني من جوع، ليكون بحق «خدعة الخريف».

فالأولى بعواصمنا العربية عدم المشاركة في هذا المؤتمر إلا بشروطها الخاصة وفي مقدمتها قبول الطرف الآخر بمبادرة السلام العربية، ووضع إطار عمل للمفاوضات وجدول زمني للتوصل لاتفاق، خاصة أن منطقتنا العربية تعاني أصلا من التوتر والاضطراب، ولن تستطيع تحمل أي إخفاق لان شعوبها باتت مشبعة بالغضب واليأس من الوعود الرنانة واللقاءات الشكلية والمؤتمرات التي لا تحمل إلا أوهاماً.

haniihanii@hotmail.com