بحركة واحدة تخرج تركيا نهائياً من البيت الأوروبي، بينما تدخل إسرائيل البيت العربي.هذه هي زبدة مشروع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي يهدف لإقامة اتحاد لدول حوض البحر الأبيض المتوسط، فالمشروع ـ إذا تحقق ـ سوف يغلق باب الاتحاد الأوروبي نهائياً في وجه تركيا، فهو على هذا النحو يبدو كتعويض لتركيا بعد أن تخسر آخر رهاناتها في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي. ومن ناحية أخرى فإن الباب يفتح لإسرائيل للاندماج في النسيج العربي بمشاركتها سبع دول عربية في كيان اتحادي.
حتى قبل أن يتولى المنصب الرئاسي الفرنسي قبل بضعة أشهر كان ساركوزي يعرض نفسه على الجمهور الفرنسي والعالم وكأنه المستشار السياسي لحكومة إسرائيل. وبعد أن فاز بالمنصب وشرع في ممارسة أعماله كقائد لدولة أوروبية متقدمة فإنه أصبح يزايد حتى على جورج بوش وكوندوليزا رايس في إظهار الحرص على أمن إسرائيل.
من ناحية أخرى فإن ساركوزي تولى السلطة وهو مصمم على اتخاذ موقف فرنسي حازم وحاسم ضد دخول تركيا عضوية الاتحاد الأوروبي منطلقاً من شعور عدواني صريح ضد الهوية الإسلامية للشعب التركي.
ومن هذا المنظور الثنائي وضع ساركوزي مشروعه للاتحاد المتوسطي، ودشن مشروعه بدعوة كافة رؤساء دول حوض البحر الأبيض المتوسط إلى اجتماع يعقد في فرنسا في يونيو 2008 لإرساء قواعد «اتحاد اقتصادي وسياسي وثقافي». ومن المؤكد أن اختياره لمدينة طنجة ليطلق منها هذه الدعوة مستثمراً زيارته للمغرب لم يكن محض مصادفة، متجاوزاً بذلك حتى مصر والأردن اللتين ترتبط كل منهما بمعاهدة سلام مع الدولة الإسرائيلية.
المشروع بإيجاز دعوة غير مباشرة إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية المطلة على البحر الأبيض وهي المغرب والجزائر وتونس وليبيا وسوريا ولبنان بالإضافة إلى مصر، وهو تطبيع شامل على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والثقافية تفيد منه الدولة اليهودية دون أدنى تكلفة سياسية أو أمنية تتطلب منها التجاوب مع حقوق الشعب الفلسطيني والشعبين السوري واللبناني.
وبالطبع فإن إسرائيل ستكون جاهزة لاستثمار هذا الاتحاد الاقتصادي لأقصى الحدود لتوسيع نفوذها داخل العالم العربي، اقتصادياً ستدخل شركات إسرائيلية لشراء شركات عربية مستفيدة من برامج الخصخصة التي يفرضها صندوق النقد الدولي على غالبية الدول العربية. ورويداً ستكون البلدان العربية الأعضاء في الاتحاد المقترح أسواقاً مشروعة للشركات الإسرائيلية في مختلف مجالات الإنتاج السلعي.. ويتبع ذلك بالضرورة تطبيع بين البنوك العربية والبنوك الإسرائيلية.
على الصعيد السياسي فإن أغلب الظن أن يتخذ التطبيع طابعاً أمنياً، هذا على الأقل ما يستفاد من تصريح لصاحب المشروع الرئيسي ساركوزي حيث قال: «سيتقرر في البحر المتوسط ما إذا كان الشمال والجنوب (أي دول أوروبا والدول العربية المطلة على البحر) سيتواجهان وما إذا كان الإرهاب والتطرف والأصولية ستنجح في فرض أسلوبها القائم على العنف وإقصاء الآخر».
هذا اللف والدوران يمكن تلخيصه ببساطة وإيجاز في أن السياسة الأمنية للاتحاد سيكون مرتكزها الأساسي محاربة كافة الجماعات والمنظمات العربية الناشطة ضد إسرائيل وأن هذه الحرب الأمنية ستكون باسم مكافحة التطرف على غرار الحرب الأمنية الأميركية ضد حماس وحزب الله وسوريا وإيران.
لا ندري كيف سترد الدول العربية المعنية على دعوة ساركوزي، لكن الواجب القومي العربي يتطلب منها رفض الدعوة إلى أن تقبل إسرائيل مبادرة السلام العربية.