الأزمة على الحدود التركية ـ العراقية عادت إلى مربع التأزيم. كانت حرارتها قد بدأت بالهبوط ولعدة أيام. فجأة بدا وكأنها تنعطف بحدة نحو التعقيد والتصعيد. الجانب التركي رفع سقف خطابه وتشدده. رجع إلى الإصرار على مطالبة بغداد بما ليس بمقدورها فعله.مع انه لم يحصل، منذ عملية الكردستاني الأخيرة، أي تطور ميداني ضد قواتها.
طبعاً ما حصل يحتاج إلى معالجة. ومن حق أنقرة التأكيد على إجراءات تكفل حماية أمنها وقواتها؛ وتضمن وقف التسلل عبر الحدود إلى داخل أراضيها.
السؤال: أية إجراءات وكيف؟
الاتصالات والتحركات المكثفة، على مدى الأسبوع الماضي، بدا معها أن الخيار العسكري بدأت تتراجع احتمالاته، أو على الأقل صارت تحت التأجيل. وفود رسمية عراقية وتركية أجرت لقاءات مع المسؤولين في أنقرة وبغداد. مناشدات عديدة، دولية وإقليمية، دعت إلى تغليب لغة الحوار والحل الدبلوماسي، آخر الحراك هذا كان في زيارة وفد عراقي كبير إلى أنقرة، لاستكمال المباحثات حول الخطوات المطلوبة، في هذا الإطار.
لكن الأجواء تبدلت أمس حيث رأت أنقرة أن ما عرضه العراقيون، لا يستجيب بما فيه الكفاية، للمطلوب، وصفته بأنه «ضعيف».المطلوب شروط أخرى، على رأسها ضرورة قيام بغداد بتسليم قيادات من حزب العمال الكردستاني، موجودين في إقليم كردستان العراقي.
العدد، حسب ما ذكرت تقارير، حوالي 153 من هذه العناصر، وكان سبق لبغداد وبلسان الرئيس العراقي أن أعلنت عن عدم قدرتها على تلبية هذا المطلب. المنطقة الحدودية شديدة الوعورة. ثم إن الحكومة العراقية، بالكاد قادرة على ضبط الأمن في المدن العراقية. فكيف في المناطق الحدودية؟
وما أرخى على الوضع ظلال التخوف أن هذه الزيارة واكبتها خطوات تركية، لا تبشر بالحلحلة. بل هي تفيد، إذا ما أخذت على ظواهرها، بأن القضية لم تعد موضع أخذ ورد، بقدر ما يتعلق الأمر بأنقرة.
فهذه الأخيرة حرصت على إبداء فتور لا يخطئ، في استقبال الوفد العراقي بالرغم من أنه كان على مستوى وزاري. جرى استقباله من قبل مساعد مدير في الشرطة التركية، وقد نزل في مقر الضيافة في الشرطة كمكان لإقامته. وربما كان ذلك لا ينبغي التوقف عنده كإشارة لا تشجع، لو لم يترافق مع رفع لوتيرة التعزيزات العسكرية التركية على الحدود.
الحشودات صارت، وفق المصادر التركية، بحدود مئة ألف عسكري! ترجمة ذلك، في ضوء تكرار عبارة «نفاد الصبر» على لسان المسؤولين الأتراك، ان أنقرة قد حسمت بشأن القرار العسكري، وان ما يجري هو فقط لتعزيز الذرائع وتسويق الحملة.
إذا كان الوصول إلى قيادات العمال الكردستاني الموجودة في جبال العراق حسب قول أنقرة، يتطلب هذا الحجم من القوة العسكرية التركية، المقتدرة والمتفوقة وبما لا يقاس عن القدرات العسكرية العراقية، فكيف إذاً تطالب بغداد بالقيام بهذه المهمة؟ أم أن في الأمر شيئاً من التعجيز لتسويغ عملية تقتضيها، ربما حسابات داخلية تركية أو أخرى إقليمية ـ دولية؟
المشكلة هنا أن تركيا، مع التسليم بحقها السيادي الذي لا جدال فيه، لا تطلب من العراق العمل على ضمان عدم تكرار ما تعرضت له، انطلاقاً من داخل حدوده، بل هي تطالبه بمطاردة ومعاقبة الكردستاني على فعلته، والذي ليس في نهاية المطاف، صناعة عراقية، هو صناعة تركية.
على هذه الخلفية وفي ضوء صعوبات وهشاشة أوضاع الساحة العراقية، فإن المعالجة العسكرية في أحسن أحوالها مجازفة خطرة، والأخطر إذا كان وراء الأكمة ما وراءها.
