إحدى الإشكاليات الكبرى التي تطرحها مسألة المواجهة بين تركيا وحزب العمال الكردي إشكالية الإرهاب. فهذا الحزب موضوع في لوائح المنظمهات الإرهابية على أكثر من قائمة ومنها القائمة الأميركية وبالتالي فإنّه على الولايات المتحدة الأميركية نفسها وهي التي تقود حربا عالمية ضد الإرهاب أن تساهم في القضاء عليه خصوصا أن عناصره ترتع في بلد تحتلّه قوّاتها وأنها ـ أي تلك العناصر ـ على بعد أميال فقط من مرمى نيران جيوشها!
هكذا يقول المنطق لكن بين المنطق وضرورات السياسة بون شاسعومساحة واسعة، تظهر أن المسائل كلهاتخضع لحسابات الربح والخسارة ولتعقيدات الظروف الوقائع.
وهذه حقيقة تلغي عن الحرب ضد الإرهاب تلك القدسية التي تحاول إدارة الرئيس جورج بوش إضفاءها عليهاوإلا فما معنى أن تدعو تركيا لضبط النفس وأن تبرمج زيارة لمسؤولة كبيرة فيها إلى المنطقة للتدخل بين الطرفين فهل أن الحرب على الإرهاب مقدّسة في وسط وجنوب العراق، وغير مقدسة في شماله؟ وهل هي حلال في بعض الدول، حرام في دول أخرى؟
وهل هي خاضعة لمبدأ المواجهة الشاملة وبلا هوادة أم أنه يمكن في بعض الظروف الصبر عليها، بل والتسامح معهاوإن كان التسامح وقتيّا؟ هذه كلّها أسئلة مشروعة بل وضرورية بعد أن تحولت الحرب على الإرهاب إلى مستوى المبدأ الدولي الملزم ومستوى المهمة الرسمية المقدسة التي يجب أن تنخرط فيها كل دول العالم وبلا جدال.
إن هذا الامتحان أظهر حدود كلّ ما تم طرحه عالميا على أنه أمر مقدّس وأظهر أن الأشياء يجب دائما أن تخضع لمبدأ النسبية الذي غاب عن تلك الحماسة الغريبة لإدارة الرئيس بوش في حربها ضد الإرهاب التي قادتها للاعتداء على حقوق الإنسان في أكثر من مكان ولأخطاء كبرى بعضها ارتقى إلى مستوى الجريمة النكراء التي لا يقبل بها عقل ولا ضمير.
إن دول العالم ممثلة في منتظمها الأممي عليها أن تجد شجاعة تعريف الإرهاب أولا وهو الأمر المعلّق إلى الآن وشجاعة مواجهته تحت أي ظرف وهو الأمر الذي ظهرت حدوده في هذه المواجهة مع حزب العمال الكردي.
