بينما العقلاء والحكماء من أصحاب النوايا الحسنة الساعين إلى السلام العادل وحقن الدماء ورفع المعاناة عن ضحايا الحروب الأهلية أو الدولية من الأبرياء يرون أن «النار لا تطفيء النار، وحده الماء الذي يمكن أن يطفئها».
فعلى العكس من ذلك يرى الأدعياء والأشقياء من أصحاب أمراء الحروب اللاعبين بالنار على حساب معاناة الشعوب، المتخفين وراء دعاوى «السلام والديمقراطية» وهم يواصلون الإصرار على استمرار الحروب، انه «لا حوار إلا بالنار المطلوبة لذاتها أو لتحقيق أهداف مشعليها والمستفيدين من ورائها».
ومن المقرر أن تستضيف مدينة «سرت الليبية» اليوم المؤتمر الدولي لسلام دارفور برعاية الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وبحضور ممثلين عن مجلس الأمن الدولي والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي ودول الجوار السوداني.
وبينما أعلنت بعض فصائل التمرد من «جوبا» رفض الدعوة الدولية والإفريقية للتفاوض مع الحكومة السودانية من أجل السلام، يحظى المؤتمر بدعم دولي وإقليمي عربي وإفريقي، وأعرب بان كي مون الأمين العام للمنظمة الدولية، وألفا عمر كوناري رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي عن الأمل في أن يكون مؤتمر سرت هو المحاولة الأخيرة لطي أزمة دارفور.
وهذا هو المؤتمر الدولي الثالث الذي تستضيفه ليبيا هذا العام بهدف التوصل إلى نهاية للنزاع الذي ما كان يمكن أن يكبر أو يستمر لولا التدخلات الخارجية التي استغلت مشكلة قبلية في الأصل لتصل بها في النهاية إلى كل المآسي التي حدثت وكل عمليات صب الزيت على نيرانها لتبرير التدخل العسكري الدولي في السودان للسيطرة على الموارد النفطية اليورانيوم تحت لافتة «إطفاء الحريق» بينما هم الذين أشعلوه، و«فرض السلام في دارفور» بينما هم الذين عرقلوه بدعمهم للتمرد وضغوطهم على السودان.
لكن منذ المؤتمر الدولي الثاني في طرابلس تغير الموقف الدولي تجاه المتمردين الرافضين للحوار من أجل السلام، وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة في المؤتمر إن «الجميع اعترف بأن ساعة السلام قد أزفت وأن المجتمع الدولي لن يقبل بعد الآن بعدم اغتنام الأطراف غير الموقعة لاتفاقية أبوجا للسلام في دارفور لهذه الفرصة التي أتيحت لها لتوقيع اتفاق وتحقيق سلم نهائي».
وهاهي وزيرة الشؤون الخارجية الفرنسية في الخرطوم بالأمس تحذر الرافضين للمشاركة في مؤتمر سرت من تحمل مسؤولياتهم، ملوحة بردود فعل فرنسية باتجاههم، خصوصا وأكثر الرافضين للدعوة الأممية والإفريقية مقيم في باريس، بل إن المندوب الأميركي في مجلس الأمن «نيغروبونتي» لوح بفرض عقوبات على المتمردين إذا لم يتجاوبوا مع جهود صنع السلام.
ويبدو أن بعض حركات التمرد استمرأت اللعبة النارية، فلم تكن عند توقيع اتفاق السلام في أبوجا سوى ثلاث حركات، وقعت واحدة منها ورفضت اثنتين، فتمردت أجنحة هذين الفصيلين لتصبح الآن 15 حركة.. فمن الذي كان يمول ويسلح كل هذه الحركات، وهل يمكن أن تتزايد بهذه الصورة من دون مصدر تسليح خطير وممول كبير؟.
إن الشعوب العربية والإفريقية لا تريد حروبا دولية ولا صراعات مسلحة أهلية لأنها هي التي تدفع الثمن، لكن صناع الحروب في العالم ووكلاءهم المحليين من أمراء الحرب في الأوطان المستهدف تقسيمها أو إخضاع إرادتها السياسية أو السيطرة على مقدراتها الاقتصادية هم شهود زور على آمال وطموحات شعوبهم، وهم الذين يحملون أوزار كل شرور الحروب من أرواح بشرية ودماء ودموع إنسانية، ومسؤولية تشريد اللاجئين والنازحين بسبب رفضهم لجهود السلام، وتبقى مواجهتهم على الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.
وتبقى وحدة السودان، وسلام السودان، ونجاح الحوار والوفاق والمشاركة على أسس من العدالة والمساواة بين أبنائه، وبين غربه وشرقه على أساس اتفاق «أبوجا»، وشماله وجنوبه على أساس اتفاق «نيفاشا» هى الأولى بالاهتمام العربي والإفريقي ومن كل السودانيين الذين يهمهم سلامة وطنهم، الأكبر من كل حزب، والأبقى من كل فرد، لمواصلة دوره الكبير في الساحة العربية، والإفريقية، والإسلامية.