انتهى القرن العشرين في العام 2000 بآمال عريضة أحيتها جملة المنجزات التي بدت مبشرة للعالم: انتعاش اقتصادي غير مسبوق في الولايات المتحدة بدا انه المكسب التاريخي الأهم في الولايات المتحدة لثمان سنوات من عهد بيل كلينتون، حيث وصلت معدلات نمو الاقتصاد الأميركي الى مستويات غير مسبوقة.
وفيما كانت النمور الآسيوية تستعيد عافيتها والاقتصاد الصيني والهندي يمضيان في تحقيق معدلات نمو متصاعدة، لم تخض إدارة كلينتون حربا واحدة خارج الحدود عدا عمليات محدودة في كوسوفو وقصف بالصواريخ لأفغانستان والسودان ردا على عمليات تفجير السفارتين الأميركيتين في نيروبي ودار السلام.
وفي رد فعل حيال الهيبة التي يتعين ان تتمتع بها قوة عظمى، قصف الأميركيون العراق على خلفية ما قيل انه مؤامرة عراقية لاغتيال الرئيس الأميركي جورج بوش أثناء زيارة له للكويت.
جاء اكتشاف خريطة الجينات البشرية ليتوج آمالا انتعشت بقوة مع إدارة أميركية تحاشت طويلا وبإصرار الدخول في حرب في اي مكان من العالم. وكانت شبكة «الانترنت» التي أطلقت في منتصف التسعينات من القرن الماضي قد كرست مفهوم القرية الكونية وعالم بلا أسوار أمام تبادل الأفكار والتجارة بلا حدود.
لقد كانت تلك الإدارة مشغولة بالداخل الأميركي وببرنامج تحدوه طموحات اجتماعية بالدرجة الأولى (الرعاية الصحية والاجتماعية والإنعاش الاقتصادي) أكثر من انشغالها بخوض حروب خارج الحدود. لقد كانت سنوات ارتخاء بالفعل.
لكن هذه الآمال تلاشت سريعا قبل ان يكمل العام الأول للألفية الثالثة شهوره الاثني عشر، لقد بدأت الألفية الثالثة للميلاد بشكل صاخب ومدو على وقع هجمات 11 سبتمبر 2001. لقد انتهى القرن المفعم بالآمال وقرن الاكتشافات العلمية، وفيما خص هذه المنطقة فان كلمة واحدة كانت تختزل هذا الدوي: «الإصلاح».
لقد كان «الإصلاح» هو الصدى الوحيد لكل ذلك الصخب والدوي الذي أحدثته هجمات 11 سبتمبر، وبدا كما لو ان الإدارة الأميركية قد أفاقت على خطأ تاريخي في علاقتها بمنطقتنا سعت لتصحيحه: التركيز على المصالح والنفط وإهمال الديمقراطية. هكذا سعت إدارة جورج دبليو بوش الى صياغة جدول أعمالها للمنطقة: الإصلاح بات ضرورة قصوى.
ومن اجل هذا الهدف، راحت إدارة بوش تستخدم كل وسائل الضغط بما في ذلك أخطرها: الحديث عن مخططات لتقسيم المنطقة. لم يتحدث اي مسؤول رسمي عن مثل هذه الخطط بل ترك الأمر لأولئك الذين يمكن التراجع عن كلامهم او اعتباره وجهات نظر لا تعبر عن رأي الإدارة رسميا.
لكن في المحصلة النهائية، تضافرت هذه الضغوط وأجواء العداء التي شاعت للعرب والمسلمين عموما مع خطاب رسمي للإدارة يلح على ضرورة إدخال إصلاحات ديمقراطية في دول المنطقة ولدى انظمة ظلت تلتصق بها تسمية الأنظمة الصديقة والحليفة للولايات المتحدة.
وبدأت مفردة الإصلاح تشكل مفردة مفتاحية لا في حديث المسؤولين الاميركيين فحسب بل في خطاب الحكومات العربية والنخب السياسية في المجتمعات العربية. وعلى هذا النحو انعقدت المنتديات وورش العمل والندوات وتم تشكيل المنظمات والأطر التي ستأخذ على عاتقها بلورة ودفع حركة إصلاح متعدد المستويات: الدمقرطة، حقوق الإنسان، أوضاع النساء، تحرير الأسواق.
أنعشت تلك التوجهات آمال نخب المثقفين والسياسيين في البلدان العربية، وراح الاصطلاحيون العرب يندفعون بقوة في ما بدا انه لحظة تاريخية مناسبة (ربما لن تتكرر) للدفع بمطالب قديمة للإصلاح في المجتمعات العربية. حسنا لنرى النتيجة الآن بعد 6 سنوات من صخب الإصلاح الأميركي.
احتل العراق وغرق في احتراب أهلي لا مثيل له في تاريخه، وراحت تقاليد التعايش والعلمنة منذ تأسيس العراق تتهاوى تحت ضربات العنف الطائفي.
لقد نشأ هذا العنف على هامش مقاومة بدأت تشتعل ضد الاحتلال الأميركي لكنه عنف بدا ان تصاعده مرسوم بدقة لكي يغرق العراقيون في حرب اهلية. هنا سنتذكر حتما ذلك الوعد البراق بتحويل العراق الى نموذج يحتذي به للديمقراطية في المنطقة.
وعندما اقتنع الفلسطينيون بفضائل الديمقراطية والاحتكام لصناديق الاقتراع كانت النتيجة النهائية: حرب اهلية.
اما في دول الخليج فقد أثمرت الضغوط من اجل الإصلاح بعض التحسن في القوانين وأوضاع النساء وقوانين مشددة لمكافحة الإرهاب تضيق هامش الحريات، لكن ثمة نتيجة أهم يجري إغفالها: توقيع اتفاقيات تجارة حرة مع الولايات المتحدة.
اما حملة التبشير بالإصلاح فقد حل محلها الان حديث لا ينتهي عن ضرورة لجم إيران ومنعها من امتلاك أسلحة نووية. اي التبشير بحرب جديدة في المنطقة ستدفع دول المنطقة فاتورتها وكلفتها الباهظة بالتأكيد من فوائض أسعار غير مسبوقة للنفط.
هكذا تدور الدورة، فالفوائض التي تحققها أسعار النفط ستعود ليس لها سوى دورة اقتصادية واحدة مؤكدة مثلما كان الأمر طيلة سنوات: تدفعها الدول المستوردة للنفط وعلى رأسها الولايات المتحدة لكي تستعيدها فيما بعد مضاعفة مرات.
وعندما يصبح العراق نموذجا مخيفا للحرب المذهبية، ويندفع الفلسطينيون للاحتراب الأهلي وتسمع قعقعة السلاح ودوي الانفجارات والصواريخ في منطقة الخليج فان الإصلاح يصبح ترفا لا يجوز الحديث عنه.
كاتب بحريني
