منذ أحداث 11سبتمبر غيّر الرئيس بوش مسار السياسة الخارجية الأميركية، حيث أعلن الحرب على الإرهاب وفرض على جميع الدول أن تتعاون مع السياسة الأميركية في هذه السياسة، وإلاّ أصبحت ضدها.
وبهذا الإعلان من جانب الرئيس بوش عاد معسكر الصقور إلى الهيمنة وجعل أميركا القوة العسكرية والاقتصادية الأوحد في العالم- وجعل تيار الصقور استخدام القوات العسكرية الأميركية هو العنصر الرئيسي والركن الأساسي في السياسة الخارجية الأميركية ولن يتسنى ذلك سوى بمزيد من إطلاق القوات العسكرية الأميركية وإلاّ أصبحت مهمّشة.
إلا أن تلك السياسة التي لم تجد حداً لها يبدو أنها اليوم أوصلت إدارة بوش إلى قمة المأزق الحرج بل وإنها أوصلت قوة الولايات المتحدة وهيمنتها إلى حدود الخطر والتهديد، وبالتالي صارت السياسة الأميركية مطالبة من قبل الجميع بضرورة إسكات الصقور وان تبدأ عملية الخفض الاضطراري لمعدلات القوة الغاشمة والاستخدام المفرط للقوة وخاصة في المنطقة الأكثر سخونة في العالم وتحديدا في الشرق الأوسط.
تلك الدعوة في الواقع لم تكن جديدة حيث إن (مانويل رستو) قبل خمس سنوات نشر بحثه المثير للجدل في مجلة السياسة الخارجية وتحديدا في عدد أغسطس 2002 هذا البحث عنوانه «الهبوط الاضطراري للصقر» وهو في الواقع عد من البحوث الجريئة حيث انه نشر في الفترة التي كانت فيها أصوات الصقور من أنصار بوش قوية ومدوية خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر..
هذا البحث ارتكز على تساؤل مركزي مفاده أن التحديات التي واجهتها الولايات المتحدة منذ حرب فيتنام والتدخل العسكري في البلقان والشرق الأوسط وحتى أحداث 11 سبتمبر 2001 قد كشفت هشاشة الهيمنة الأميركية.
فهل تتعلم الولايات المتحدة أن تتوارى بهدوء أم سوف يظل الجناح المحافظ يقاوم لكي يهبط تدريجياً حتى يتفادى السقوط السريع والمدمر في نفس الوقت؟
في الحقيقة جوهر فكرة مانويل رستو وتيار كبير من دعاة خفض فعالية ودور الصقور في السياسة الخارجية الأميركية، هو السقوط الاضطراري للولايات المتحدة، وهل يمكن بالفعل أن تسقط؟ قد يؤيد هذا الاعتقاد الجناح الذي يعرف بالصقور في الإدارة الأميركية والذي يحاول بشراسة الحيلولة دون حدوث هذا السقوط.
والحقيقة أن الاعتقاد بزوال الهيمنة الأميركية لم يأت من الهزيمة التي بدت واضحة للجميع في يوم 11 سبتمبر من العام الماضي. إن عملية السقوط والزوال قد بدأت منذ السبعينات قبل حدوث الهجمات الإرهابية الكثيرة والتي كان لها الشأن الأكبر في الإسراع بعملية الهبوط.
وبالتالي فإن هناك جملة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتراكمة التي صارت تنذر أن قوة الولايات المتحدة ليست أمراً حتميا وليست بناء متينا يمكن أن يتحمل كم الانتشار العسكري في العالم والقدرة على الدخول في حربين في آن واحد وتحمل تكلفة أي صراع مهما كانت قوته كما يدعي ذلك جناح الصقور المهيمن على السياسة الخارجية الأميركية.
هذا المقال الذي نشر قبل الغزو الأميركي للعراق ربما تكلم عن ما تمر به اليوم الإدارة الأميركية وسياستها الخارجية التي صارت محل جدل واسع داخل أميركا نفسها قبل أن تكون محل جدل في الخارج الذي صار منتقدا لاذعا لها وصار الحلفاء منفرطين من عقد الشراكة الذي كان يبدو متينا صارما في مطلع عقد التسعينات.
اليوم السياسة الأميركية يبدو أنها وقعت في مأزق الشرق الأوسط الخطير واحتلال العراق الذي وصف في يوم من الأيام على انه نقلة الكش مات التي لعبتها الولايات المتحدة لتنهي دور القوى الإقليمية في الشرق الأوسط.
في الواقع هذه النقلة وضعت الوجود الأميركي في قلب الخطر وصار هذا الوجود مهددا إلى الدرجة التي صارت جميع القوى والأوساط في الولايات المتحدة تطالب ليس فقط بالانسحاب السريع من العراق ومن أفغانستان بل بضرورة استقراء المستقبل الخطر الذي ينتظر القوة الأميركية في حال الاستمرار في سياسة الانتشار العسكري الواسع والاستخدام المفرط للقوة العسكرية.
الولايات المتحدة أضحت اليوم بأمس الحاجة لمثل ذلك الهبوط الاضطراري الذي سبق أن تكلم عنه (مانويل رستو) حيث إن هذا الهبوط هو الحل الأمثل الذي يضمن لها الاحتفاظ ببقايا القوة التي من خلالها يمكن أن تعيد تجديد التالف والمتحطم من عناصر بقائها كقوة كبرى في العالم..
أما السير في تيارات الصقور القوية التي ليس لها حد أو مانع فإنه يعني أن الولايات المتحدة قد قررت فعلا أن تدخل دوامة الصعود إلى الهاوية التي جربتها من قبل تلك الإمبراطوريات والقوى العظمى التي كانت تحكم العالم في يوم ما وصارت اليوم نسيا منسيا.
ما أثار انتباهنا في مقالة (رستو) ليس فقط التحدث عن ضرورة أن تقلل الولايات المتحدة من درجة اندفاعها في استخدام القوة الغاشمة بل وكذلك أن هذه المقالة حددت بالفعل ما ستصل إليه الإدارة الأميركية لو أنها طارت مع الصقور في سماء الحروب الدامية والصراعات غير المنتهية.
حيث انه أشار إلى أن الصقور لديهم ثلاثة مواضيع أساسية تعتبر بالنسبة لهم النقاط التي سيرتكز عليها جوهر الصراعات التي يجب أن تخوضها الولايات المتحدة في العالم، هذه المواضيع هي أفغانستان، امن وبقاء إسرائيل، واحتلال العراق.
هذه المواضيع الثلاثة التي صارت في الواقع محور صراعات الولايات المتحدة منذ 5 سنوات. إلا أن حصاد الإدارة الأميركية كان مخيبا للآمال وخاصة في ما يتعلق بالعراق الذي تحول إلى معضلة السياسة الأميركية التي يعجز أمامها أي حل فعلي بل إن العراق قيد قدرة الولايات المتحدة على إحداث اثر التهديد الذي كانت تتمتع به وتستخدمه للحد من طموح وجنوح القوى الإقليمية كما هو الحال مع إيران وسواها.
غزو العراق وغزو أفغانستان وتعثر مسارات العلاقة العربية الإسرائيلية وانفراط الحلفاء جعل الولايات المتحدة تبدو منهكة حتى وان لم تكن كذلك وتبدو وحيدة حتى وان لم تكن.
كذلك وجود إدارة أميركية محاصرة في الكونغرس بقوة تيار المحافظين الذين يحاصرون إدارة بوش تلك العوامل سوف تجعل من العراق ليس فقط مأزقا حرجا بل كذلك سيجعل من عملية الخروج من العراق بأقل الخسائر مأزقا اكبر قد يتطلب مواجهة حاسمة صار محتما على السياسة الأميركي أن تخوضها في الداخل لإحداث تغيير جذري في طريقة وأداء السياسة الخارجية الأميركية..
هذه المواجهة هي النقطة التي تحدد ما إذا كان على الولايات المتحدة أن تستمر في التحليق مع الصقور أو أن الهبوط الاضطراري أمر لا مناص منه لتخليص السياسة الأميركية من أزمتها.
كاتبة عراقية