كان طبيعيا أن تعيش إسرائيل أجواء «صدمة ايجابية» لمواقف الرئيس الفرنسي ساركوزي بعد هذا الحماس الذي أبداه لمشروعها الصهيوني منذ بدايته. فبعد أن أدينت الصهيونية من قبل الأمم المتحدة كشكل من اشكال العنصرية في القرن العشرين أصبحت في نظر الرئيس الفرنسي الحالي معجزة ذاك القرن.

أما دولة إسرائيل التي اتخذ بحقها مئات من القرارات الدولية من مجلس الأمن فقد أغدق الثناء على دورها الريادي في إدخال التنوع والديمقراطية إلى الشرق الأوسط، هذا الشرق الذي يسقط عليه، على ما يبدو، توهماته العابقة بالاستعلاء إلى الحد الذي دفع بسفير إسرائيلي سابق للتعليق «إسرائيل أفاقت لتجد صديقا قويا ينطلق بتحالفه معها من منطلقات ايديولوجية ثابتة وراسخة».

وليست هذه المواقف العنصرية للرئيس الفرنسي بنت الساعة، فهو ما برح يرددها في أكثر من مناسبة تجاه المهاجرين في فرنسا، ثم انه صاحب المشروع الجديد حول الهجرة الخاص بالتخلص من المهاجرين عبر فحص دمائهم والذي أثار نقاشات حادة في فرنسا لخدشه قيم الجمهورية الفرنسية وحتى بعض النصوص القانونية.

ولا تذهب سياسته الخارجية بعيدا عن هذا التوجه حيث لا يتوقف عن الإشارة إلى أن الصراع بين الغرب والإسلام يمثل أهم تحدٍ يواجه فرنسا وهو ما اعتبره البعض تردادا مملا لمواقف الإدارة الأميركية الحالية مع تغاض واضح عن ذكر أسباب الصراع مثل حقوق الشعب الفلسطيني أو احتلال العراق فكيف بتاريخ السياسة الاستعمارية الفرنسية في المنطقة!

وبعد هذا الوصف المنزه الذي أغدقه ساركوزي على دولة إسرائيل وهذه العاطفة الجياشة التي أشهرها تجاهها وتجاه رئيسها أولمرت التي بانت في لغة الجسد عناقا حميماً على صفحات الجرائد، أرى من المشين أن لا يقوم الفلسطينيون بدعوة ساركوزي للعيش بينهم في إسرائيل ليشاركهم روعة الديمقراطية والتنوع!

أو في إحدى مخيمات اللاجئين المكتظة بالذين هجرتهم إسرائيل من بيوتهم لتقيم دولتها على أنقاضهم، كما من المشين ألا ندعوه للعيش بيننا ليرى هذه الدولة المعجزة التي كلفت منطقة الشرق الأوسط أكثر من ستة حروب على مدى ستين عاما وأزمات متواصلة لا نهاية لها!

كما أنه في ظل صكوك البراءة التي أغدقها على إسرائيل، من المخجل أن لا تقوم هذه الأخيرة بمنحه الهوية الإسرائيلية خصوصا في ظل حاجة إسرائيل الملحة لتشجيع الهجرة اليهودية لأمثال ساركوزي، فهو من دون شك يزايد على الإسرائيليين أنفسهم في الحماس لدولتهم في الوقت الذي تشهد إسرائيل ظاهرة الهروب من التجنيد الإجباري من الرافضين لممارسات هذه الدولة المتعطشة للدماء.

وهو فعلا لا يترك مجالا أمام الإسرائيليين المشككين بعظمة دولتهم إلا الشعور بالخجل من أنفسهم. وقد يكون من الأجدى بالفرنسيين أن يخيروه بين العيش في فرنسا أو الهجرة إلى إسرائيل، فعلى ما يبدو حماسه لهذه الدولة يظهر بشكل عفوي أكثر من حماسه لفرنسا وعظمتها، حتى أنه أخذ على عاتقه أمن إسرائيل «الى أبد الآبدين».

ستكون هذه «نقطة تحول فارقة وتاريخية» في علاقات إسرائيل بفرنسا وأوروبا يقول البعض، ولو لم يكن للدولة الفرنسية إرث مشرف يتمثل بمبادئ الثورة الفرنسية ومؤسسات عريقة، ونحن ما زلنا نذكر مخاوف الأوروبيين وبالتحديد الجمهور الفرنسي تجاه هذه الدولة باعتبارها أكبر تهديد للعالم في استطلاعات 2003، لشعرنا فعلا بمخاوف من عودة حروب التعبئة الدينية.

لقد ضرب ساركوزي بتصريحاته أسس الدولة العلمانية لفرنسا حين أظهر هذه العاطفة الجياشة تجاه قيام دولة يهودية صافية ولليهود فقط وكنا قد ظننا أن التجييش الديني قد ولى إلى غير رجعة، وأن يتغزل بدولة قائمة على التطهير الديني والعرقي.

وتعمل ليل نهار على تهجير ما تبقى من الفلسطينيين (الذين لا يوضح لنا ساركوزي كيف أصبح تعدادهم مليون نسمة بعد أن كانوا يمثلون 94% من السكان عام 1948) ليس لسبب إلا لأنهم يهددون وجودها ويختلفون عن فكرة الصفاء الديني التي يحلم بها الصهاينة.

كما أطاح بكل قرارات الشرعية الدولية وأظهر غيابا لأي حس أخلاقي وإنساني بسد آذانه عن كل الممارسات الهمجية ضد الشعب الفلسطيني بل أعطى ضوءا أخضر بتصريحاته لقادة إسرائيل للمضي في بطشهم، وأظهر انحطاطا لمستوى خطاب الدبلوماسية الفرنسية مقارنة بأسلافه منذ قيام الجمهورية الخامسة التي أسسها ديغول عام 1958.

ولا نستطيع هنا إلا أن نذكره بقرارات الأمم المتحدة التي تم التراجع عنها لأسباب لا نرى فيها إلا ما يشير إلى تدهور أخلاقي وإنساني على أعلى المستويات في السياسية الدولية وأهمها القرار الذي يشير إلى أن إسرائيل دولة عنصرية، قامت على مآسي الشعب الفلسطيني حين سرقت منه أراضيه وتعمدت محو آثاره وتسببت في معاناته ولا تزال إلى اليوم.

وان لهذا الشعب ذكريات وتاريخ في هذه الأرض وحقوق غير قابلة للتصرف بحسب القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان لا من قبل ساركوزي ولا من قبل غيره ممن لا يتورعون عن تبرير منطق الاحتلال والاستيطان والتهجير والقتل وممارسات الإبادة ونهب الأراضي والممتلكات.

ونأسف أن يكون في فرنسا هذا المستوى من القيادة السياسية التي لا تخجل من التعبير عن اعتزازها بقيام دولة طائفية تشكل نذير حروب لن تنته في منطقتنا وتختصر أمن كل هذا الشرق في أمن يهود العالم. والمشكلة أن المزاج العام في فرنسا لم تعد له هذه الرهافة العميقة بحسب المحللين، ونأمل أن يستعيد حيويته قبل فوات الأوان.