لم يكونوا سوى ستة في روما عام 1957 عندما وقّعوا على بيان ولادة المجموعة الاقتصادية الأوروبية وأصبحوا سبعة وعشرين من رؤساء الدول والحكومات الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الذين صدر باسمهم «بيان برلين» عام 2007 ووقعته السيدة انجيلا ميركل باعتبارها رئيسة الاتحاد عند صدوره إلى جانب توقيع كل من رئيس المفوضية الأوروبية ورئيس البرلمان الأوروبي.
مسيرة توحيد عمرها نصف قرن من الزمن. بدأت «متواضعة» محدودة الأهداف وتوصّلت عبر طريق وعرة صعبة المسالك إلى تجسيد مشروع إقليمي متكامل و«متفرّد في العديد من سماته. إن أعداء الأمس الذين تواجهوا في حرب قاتلة أصبحوا شركاء اليوم في بناء سياسي له وزنه في العالم.
واجهت مسيرة التوحيد الأوروبي منذ أن انبثقت فكرتها بعد الحرب العالمية الثانية العديد من اللحظات الصعبة والتحديات التي كان عليها أن تواجهها ولعلّها اليوم على أحد أهم مفترقات الطرق فيما يخص توجهها المستقبلي والموقع الذي سيقف فيه الاتحاد الأوروبي على «رقعة شطرنج» السياسة الدولية.
وفي المقام الأول علاقاته مع الولايات المتحدة والحلف الأطلسي وروسيا وموقفه من مختلف قضايا العالم الكبرى. إنه باختصار زمن طرح الأسئلة الكبرى.
يبدو من الواضح اليوم أن التباين الكبير في المواقف بين أوروبا، بجزء أساسي منها على الأقل، وبين الولايات المتحدة حيال حرب العراق قبل عدة سنوات أصبح ينتمي إلى الماضي. هذا لا يعني أن وجهات النظر قد «تطابقت» تماما حول مختلف القضايا.
كما تختلف، بالطبع، درجة «الحماس» لأميركا بين هذا البلد أو ذاك من بلدان الاتحاد الأوروبي. فبريطانيا تبقى، حتى بعد ذهاب توني بلير، الشريك الأوروبي الأول للحليف ما وراء الأطلسي ودول أوروبا الشرقية والوسطى- الشيوعية سابقا تعلن ولاءها الصريح لواشنطن باعتبارها «الكافل ـ الضامن» لأمنها.
بل زادت جرعة هذا الولاء مؤخرا بعد بوادر عودة روسيا بقوة إلى المسرح الدولي، باختصار «استيقظت» أشباح الماضي القريب.
ولا شك أن فرنسا «الرسمية» قد اقتربت أكثر من مواقع السياسة الأميركية الحالية بعد وصول نيكولا ساركوزي إلى سدّة الرئاسة. كما أن ألمانيا برئاسة السيدة انجيلا ميركل هي «أكثر إخلاصا» لواشنطن من ألمانيا ـ جيرهارد شرودر. لكن التمييز ضروري هنا بين الموقفين الرسمي والشعبي.
فقد دلّت استطلاعات للرأي نشرتها «الفايننشال تايمز» بتاريخ 4 يونيو 2007 على أن 56 بالمائة من البريطانيين أعلنوا عن دعمهم للولايات المتحدة عام 2006 مقابل 83 بالمائة عام 2001 بينما لم تبلغ نسبة مؤيديها من الفرنسيين سوى 39 بالمائة عام 2006 مقابل 73 بالمائة عام 2001.
واليوم مطروح على أوروبا، ممثلة بالاتحاد الأوروبي، تحديد معالم علاقتها مع الولايات المتحدة بوضوح. لا أحد يشكك بضرورة التحالف معها، لكن حتى أية درجة؟ على أصحاب القرار الأوروبيين أن يقدموا إجاباتهم عن خلفية إدراكهم أنهم لا يستطيعون أن يتصرفوا «من رأسهم» فقط بعيدا عن الرأي العام في بلدانهم.
وليست العلاقة مع الولايات المتحدة فقط وإنما أيضا العلاقة مع الحلف الأطلسي. بكل الحالات تتوازى علاقة الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة، بل تتداخل إلى حد كبير، مع علاقته بالحلف.
ولم يكن الأوروبيون يطرحون أية أسئلة أو يبحثون عن أية مبررات للانضواء تحت «المظلّة الأطلسية» عندما كان التهديد السوفييتي قائما.
وكان الانقسام الثنائي الدولي ووجود «ستار حديدي» يشطر القارة القديمة بين معسكرين يعفي الجميع من طرح مسألة العلاقة مع الأطلسي. فالحدود واضحة والخنادق واضحة. كان «البقاء» هو البرنامج الجوهري المطروح.
أما اليوم فقد تغيّرت «أولوية» التهديدات بعد زوال الخطر السوفييتي وبروز عالم «قلق» و«محفوف بالمخاطر».
قائمة التهديدات يتصدّرها في الخطاب الأوروبي الرسمي، والخطاب الغربي عامة، خطر الانتشار النووي والإرهاب والأخطار المحيقة بالتزود بموارد الطاقة. وباسم مواجهة مثل هذه التهديدات تقترب أوروبا، الرسمية على الأقل، من مركز القوة الأميركية على خلفية إدراكها لواقع «إمكانياتها».
وأنها لا تمتلك بمفردها القوة التي تسمح لها أن تكون فاعلة وصاحبة قرار في قضايا العالم. بل وعلى خلفية «القناعة» أنها لا تستطيع أن تشكل قطبا فاعلا على المسرح الدولي يعادل بقوته القطب الأميركي أو الصيني أو حتى الروسي.
لكن هذا شيء وقبول أوروبا الانضواء تماما في الإطار الأطلسي حسب الرؤية الأميركية، مع ما يترتب على هذا من احتمالات المشاركة في «مغامرات» عسكرية خارجية، شيء آخر.
بل ينضوي على الكثير من المخاطر لاسيما وأن المعادلة المطروحة قد تعني على أرض الواقع أنه بمقدار ما يتم «الاقتراب» من الحلف الأطلسي يتم أيضا «الابتعاد» عن منظمة الأمم المتحدة. وقد يكون الاتحاد الأوروبي أمام مثل هذا الخيار الحاسم. فماذا سيختار؟
إن الوضع الذي وصلت إليه أوروبا بعد مسيرة نصف قرن من البناء الأوروبي المشترك يسمح بالقول إن القارّة ممثلة بالاتحاد الأوروبي قد أصبحت موحّدة إلى درجة أن كل بلد من بلدانها لم يعد قادرا على أن يلعب بمفرده دورا دوليا فاعلا، لكنها لم تصل في اندماجها إلى درجة امتلاك صوت واحد على الساحة الدولية. باختصار حققت أوروبا درجة عالية من الاندماج على صعيد مجالها الجغرافي والاقتصادي ولكن الأمر ليس كذلك على صعيد الموقف السياسي المتناغم لبلدانها.
الأمر الأكيد هو أن فكرة «البيت الأوروبي الموحّد» لا تزال تحظى بتأييد الأغلبية الساحقة من الأوروبيين. هناك أقلية «متطرفة» في نزعاتها القومية تناهض هذه الفكرة لكنها أقلية هامشية ولا تستطيع أن تغيّر شيئا في مجريات الأمور.
الخلل ليس إذن في الفكرة وإنما في «التطبيق». أي نفس الحكاية «التاريخية» لوجود هوّة بين النظرية والتطبيق. وعلى مستوى «التطبيق» كان الفرنسيون، وبعدهم الهولنديّون قد قالوا «لا» باستفتاء عام لمشروع دستور أوروبي.
لكن هذا لا يعني أنهم أصبحوا لا يريدون «أوروبا» بل إن الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي كان هو المحرك الأساسي للخروج من «المأزق الدستوري» وتبنّي «اتفاقية دستورية مبسّطة» في شهر يونيو عام 2007 ببروكسل. وهذا ما اتفق عليه قادة الدول الأعضاء الـ 27 في لشبونة قبل أيام.
هنا يطرح سؤال كبير آخر أبعد من الصيغ الدستورية المطروحة «مبسّطة» كانت أم «معقّدة». إنه السؤال الخاص بمسألة «تمفصل» العلاقات بين سلطة المؤسسات الأوروبية والسلطات «الوطنية» لكل بلد.
فماذا ينبغي أن يكون نمط العلاقة بين المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي من جهة والسلطات والمؤسسات التمثيلية في كل بلد من بلدان الاتحاد، من جهة أخرى؟ هذا سؤال تثير الإجابات المطروحة عنه «الخوف» لاسيما أن مفهوم «السيادة» في الميزان. لكن الجميع يتفقون على أن أوروبا ليست «أمة واحدة» وهذا ما تم تأكيده في لشبونة .
وأسئلة أخرى جوهرية مطروحة على أوروبا تتعلق بمسائل الهوية وحدود أوروبا والعلاقة مع روسيا والصين والموقف من القضايا الكبرى على العالم اليوم في الشرق الأوسط وغيره. فماذا ستكون خياراتها؟ الإجابات هي التي ستحدد إذا كان الاتحاد الأوروبي سيصبح قوة فاعلة، أو قوة تابعة، على مسرح العلاقات الدولية... غدا.
اليوم هو زمن طرح الأسئلة الكبرى... إنه الزمن «الصعب» إلاّ للذين أعفوا أنفسهم من طرح أية أسئلة.
كاتب سوري