يتوجه اليوم العمانيون ممن تبلغ أعمارهم واحداً وعشرين سنة أو أكثر ـ ذكورا وإناثا ـ إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس الشورى لدورته السادسة.

انتخابات مجلس الشورى عبر دوراته الخمس الماضية تجربة لا أحد يدعي أنها نضجت وبلغت المستوى الذي يُطمح إليه، ولكنها أيضا لم تركن إلى الجمود، وإنما تطورت بموازاة النمو الذي شهده المجتمع العماني.

فقد اتسمت مسيرة تجربة الشورى في سلطنة عمان، منذ بدايتها في عام 1992، بالنمو ـ البطيء ولكنه الثابت ـ على مختلف الأصعدة سواء ما يتعلق بآلية المشاركة في الترشح والتصويت أو مشاركة المجلس في صنع القرار.

مجموعة التعديلات التي طرأت على تجربة الشورى العمانية من بدايتها تشكل في مجموعها نقلة نوعية في تاريخ تجربة الشورى في سلطنة عمان وعلامة على نضجها ومن ثم تأهلها لتغييرات أخرى قادمة تعزز مكانة المجلس من حيث توسيع مشاركته في القرار التنفيذي، واستيعاب كافة الأصوات الممكنة في المجتمع العماني.

وتشير مجموعة التحسينات التي طرأت على مجلس الشورى في دورتيه الأخيرتين إلى رغبة الدولة في ضمان التطور المتدرج لتجربة الشورى انسجاما مع ما يطرأ على العالم من تغيرات وما يواجهه من تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية!

ولعل أهم هذه التغييرات إعطاء المرأة حق الانتخاب والترشيح. فقد حظيت مشاركة المرأة في انتخابات مجلس الشورى باهتمام خاص من قبل الجهات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني، وشهدت الدورة الماضية جهودا كبيرة على المستويين الرسمي والشعبي لتعزيز دور المرأة سواء بالمشاركة أو الترشيح حيث ترشحت 15 سيدة من بين 540 مرشحا تنافسوا على 82 مقعدا لمجلس الشورى.

بيد أن نتائج الانتخابات جاءت مخيبة للآمال ودون التوقعات المتحفظة حتى رغم أن الأرقام أشارت عقب إقفال صناديق الاقتراع أن نسبة مشاركة العنصر النسائي ممن استخرجن بطاقات انتخابية تجاوزت نسبة الرجال بفارق لافت للنظر، لكن يبدو أن صوت المرأة لم يتعصب لبني جنسه كما كنا نتوقع، فقد فضلت المرأة الناخبة الوقوف خلف الرجل.. أبا كان أم زوجا!

لم تكن تلك النتائج مخيبة للآمال وحسب وإنما جاءت مخالفة لكل التوقعات، ففي حين سجل الصوت الانتخابي النسوي نسبة تجاوزت نسبة صوت الرجل، إلا إن ذلك كرس النتيجة التقليدية حيث حصلت المرأة على مقعدين من بين مقاعد المجلس الـ 82 على الرغم من أن غالبية المرشحات يتمتعن بمؤهلات عالية وتجارب مهنية طويلة.

إخفاق العنصر النسائي في زيادة عدد مقاعدهن في المجلس جاء على عكس ما حققته المرأة في مجالات العمل الرسمية والأهلية؛ فقد وفرت الدولة القوانين التشريعية المناسبة التي ساهمت في إبراز الدور الهام للمرأة وتفعيل مشاركتها في المسيرة الإنمائية التي تشهدها السلطنة. ورغم بروز المرأة في الحياة العامة وتقلدها مناصب رفيعة بينها عدد من المناصب الوزارية، إلا إن ذلك لم يجد أصداء في نفس المرأة الناخبة ناهيك عن الرجل.

لقد حرصت القيادة السياسية في السلطنة على تمكين المرأة سياسيا، وأكدت على أهمية دورها في المجتمع بحيث يشكل إحدى الركائز الأساسية في التنمية البشرية العمانية.

وليس أدل على جهود الدولة لتفعيل دورة المرأة في كافة قطاعات المجتمع من الدعوة التي وجهها جلالة السلطان قابوس بن سعيد عند افتتاحه الفترة الثانية لمجلس الشورى سنة 1994 عندما قال «إننا ندعو المرأة العمانية في كل مكان، في القرية والمدينة، في الحضر والبادية، في السهل والجبل أن تشمر عن ساعد الجد وان تسهم في حركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية».

وعلى الرغم مما حققته المرأة على مستوى «القرار التنفيذي» والسياسي؛ إلا أن حضور سلطة القبيلة والعشيرة في نتائج انتخابات مجلس الشورى كان أقوى وأكثر تأثيرا؛ والتي ظلت تتمتع على مر العصور بنفوذ على أفرادها لا يقل عن سلطة الدولة على مواطنيها في العصور الحديثة.

كانت الدورة الماضية ـ الخامسة ـ الأفضل إعدادا وتنظيما في تاريخ تجربة الشورى العمانية، ولعلها الأفضل بين تجارب الاقتراع المباشر على مستوى دول المنطقة؛ فقد رافق الاستعداد للانتخابات حملات توعية مكثفة، وتحلت الانتخابات بحسن التنظيم، واستخدام وسائط تقنية متطورة مثل تأسيس قاعدة بيانات انتخابية «السجل الانتخابي الالكتروني» والفرز الإلكتروني للأصوات، وإعلان النتائج.

في حين حملت الدورة السادسة ملامحها الخاصة، فقد لوحظ في الأسابيع الماضية نشاطا مكثفا من قبل بعض مؤسسات المجتمع المدني.. لاسيما جمعية المرأة من خلال إقامة ورشات عمل وندوات لتفعيل الصوت الانتخابي النسوي وإبعاده عن المحاباة مهما كان شكلها.. على نحو يذكرنا بالحملات الانتخابية التي تجريها الأحزاب السياسية في الدول التي يتخذ فيها صوت الناخب «القرار السياسي».

ويبدو أن تجاوز التقليد العشائري والأبوي في ممارسة انتخابات مجلس الشورى لهذه الدورة حظي باهتمام خاص في الاستعداد لانتخابات هذا العام. ولعل السماح للمترشحين الإعلان عن ترشيحهم عبر الصحف وتقديم المرشح نفسه للناخب من خلال أهليته لمقعد المجلس لا على أساس قبلي أو طائفي أو عرقي وإنما على أساس خبراته وانجازاته الاجتماعية أحد مبادرات الحكومة لتعزيز دور الفرد لا العشيرة في عملية الاختيار.

السؤال الملح هو: لماذا لا يواكب تطور تجربة المجلس في الممارسة الانتخابية تطورا في ذهنية الناخب والمترشح؟ وكيف يمكن تفعيل المشاركة ـ سواء حق الانتخاب أو الترشيح ـ إذا لم يواكبها تطور في ثقافة مفهوم التمثيل النيابي..

أي أن يمثل العضو المنتخب الأصوات التي انتخبته تمثيلا يتفق مع وعي وثقافة الناخب، بحيث يكون العضو مؤهلا، بغض النظر عن جنسه، للمشاركة الفعالة التي تتطلب قدرا كبيرا من الوعي والقدرة على الممارسة والفعل لانجاز المهام المكلف بها الناخب من خلال عضويته بالمجلس للمشاركة في رسم خطط السلطة التنفيذية بغض النظر عن جنسه أو انتمائه العشائري أو الطائفي.

ويمكن أن يعزى فشل المرأة إلى عجز المجتمع بطيفيه «الرجل والمرأة» عن تقييم دور المرأة في مسيرة عملية التحول التي تشهدها السلطنة. ولا بد من الاعتراف أنه ما لم يحدث تغيير جذري داخل العائلة والعشيرة، وإعادة النظر في الأطر الاجتماعية التي تحكم علاقة الرجل بالمرأة، فإن حضور المرأة في مجلس الشورى سيظل محدودا رغم ما تحققه في مواقع صنع القرار.

هذه ليست دعوة لتهميش دور «الراعي» في العائلة ولا يراد بها أيضا إلغاء البعد القبلي في حياتنا الاجتماعية بوصفها كيانا اسريا يعمل على تكاتف الأفراد ومؤازرة بعضهم البعض، وإنما هي دعوة للتخلي عن ظاهرة انتخاب الرجل فقط لأنه رجل.

ومن ثم ترسيخ روح المساواة في إطار ترسيخ دور المواطنة بحقوقها وواجباتها بعيدا عن أي نزعة في ظل قانون يضع الجميع في مرتبة واحدة ويحقق تكافؤ الفرص للجميع ويلغي التمييز والتمايز بين المواطنين في كل المجالات دون استثناء.

إن الدعوة إلى تبني خيارات حديثة في ممارستنا لتجربة الشورى، يجب أن لا تقتصر على التنافس على مقاعد مجلس الشورى، وإنما أن نكون مؤهلين لممارسة نفس الدور في كافة الخيارات الانتخابية لتطوير شكل الجمعيات الأهلية والمهنية ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى والارتقاء بثقافة التصويت والترشيح فيها بما يواكب التطور الذي شهدته السلطنة خلال سنوات النهضة المباركة.

خلاصة الحديث: نتائج انتخابات مجلس الشورى العماني في دورته الخامسة كانت محبطة للآمال فيما يتعلق بحضور المرأة، إلا إننا نأمل أن تؤدي الجهود التي رافقت الاستعدادات لخوض غمار الانتخابات الحالية إلى زيادة حضور المرأة في المجلس بما يتناسب وحضورها في مجالات «اتخاذ القرار التنفيذي». فهل ستفاجئنا نتائج انتخابات الدورة السادسة من عمر مجلس الشورى بأكثر من مقعدين للمرأة!

كاتب عماني