تداعيات الاحتلال الأميركي للعراق لدى ما يقارب السنوات الخمس حتى الآن داخل العراق وعلى مستوى المنطقة لا تزال تتفاعل أمام أعيننا. لكن لعل أشدها خطورة فتح فرص جديدة لتمديد السيطرة الإسرائيلية في أنحاء العالم العربي والإسلامي. وأحدث الأخبار تنبئ عن فرق من خبراء أمنيين إسرائيليين تقوم بخدمة حكومة كردستان العراق.
هذه الرواية وردت في صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية نقلا عن «مصدر رفيع في الحكومة التركية» على حد قول الصحيفة، ورغم أن الحكومة الإسرائيلية نفت هذه الرواية إلا أن الصحيفة تقول إن هذا النفي يهدف إلى عدم حدوث احتكاك بين إسرائيل وتركيا.
وكرد على المسؤولين الإسرائيليين أكدت الصحيفة على أن الحقائق تشير إلى أنه على مدى سنتين تقريبا ظلت شركات أمنية إسرائيلية تساعد حكومة الأكراد في الشمال العراقي من خلال خدمات عشرات من الخبراء الأمنيين والمقاتلين الإسرائيليين الذين توظفهم هذه الشركات.
ولا يقتصر الأمر على المشورة الأمنية ـ تقول الصحيفة الإسرائيلية ـ بل إن الحكومة الإسرائيلية نفسها تزود حكومة كردستان بشحنات أسلحة منتظمة.
والسؤال الذي يطرح هو: هل كان لهذا التعاون الإسرائيلي مع الأقلية الكردية في العراق أن يحصل لولا أن العراق نفسه فقد سيادته الوطنية على كردستان بسبب إخضاعه لاحتلال بواسطة قوة عظمى هي الشريك الاستراتيجي الأعظم للدولة اليهودية خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن القيادة الكردية تطرح نفسها كقوة معادية للعرب والمسلمين؟
ومما يثبت هذا التعاون بصورة حاسمة وقاطعة أن مسؤولين في الحكومة التركية وأجهزتها الاستخباراتية طرحوا المسألة صراحة على المسؤولين الإسرائيليين. وبلغ الأمر ذروته في لقاء جرى بين رئيسي الحكومتين أثناء وجودهما في لندن خلال الأسبوع الجاري. مما يوحي بأن الدعم الإسرائيلي اتسع نطاقه ليشمل مساعدة أكراد تركيا في حربهم مع الجيش التركي.
وبطبيعة الحال فإنه ما كان لقادة كردستان العراق أن تبلغ بهم الجرأة إقامة جسر بين إسرائيل وحزب العمال الكردستاني التركي دون اكتراث باستفزاز الدولة التركية لولا أن حكومة كردستان باتت واثقة من اعتمادها على الظهير الأميركي الذي ينشر سيطرته الاحتلالية على العراق.
نعلم أن الاحتلال الأميركي ارتد بالعراق إلى العصر الحجري بحيث إن هذا البلد العربي العظيم انتهى كدولة. لكن الكارثة لم تقتصر على الشعب العراقي. فالعراق انتهى أيضا كرقم مهم في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي.
ونعلم أيضا أن تداعيات التدمير الأميركي للعراق كشعب متماسك النسيج أفرزت فتنة طائفية دينية ذهبت بوشائج الانتماء القومي العروبي مع اشتعال حرب أهلية بين الشيعة والسنة. وهي فتنة قد تمتد بتوالي التداعيات إلى خارج العراق لتشمل بقعا أخرى في العالم العربي والإسلامي.
مع ذلك. ومع عدم التقليل من خطورة تداعيات الاحتلال الأميركي فإننا ينبغي أن نسائل أنفسنا كعرب ومسلمين عما إذا كنا مشاركين في الجريمة الأميركية الإسرائيلية.