يعيش المواطنون الفلسطينيون في قطاع غزة في أسوأ الظروف الإنسانية التي تتجاوز حد الخيال ، ويتعرضون لعقاب جماعي وحشي من الاحتلال الإسرائيلي يجسد في جوهره مدى الرفض الإسرائيلي لكل عناصر السلام وبناء الثقة مع جيرانها العرب ومع الشعب الفلسطيني بشكل خاص.
وبالرغم من الترتيبات المستمرة لمؤتمر الخريف في الولايات المتحدة والعمل الفلسطيني - الإسرائيلي على تطوير وثيقة مشتركة تمثل الحد المعقول من التوافق ، فإن ممارسات الحصار الإسرائيلي على غزة تثبت استمرار عقلية التنكيل والعقاب الجماعي التي تصيب الفلسطينيين.
القرار الإسرائيلي الأخير بإيقاف الكهرباء والوقود تدريجيا عن قطاع غزة يضع أكثر من مليون فلسطيني في وضع معاناة غير معقول ، وبالإضافة إلى منع السفر والعودة والحصار الدوائي والغذائي والاقتصادي بكل اشكاله سيتم الآن العمل على قطع موارد الحياة الرئيسية مثل الكهرباء والوقود والمياه وهو أمر يهدد كل سبل المعيشة في غزة التي تعتمد في الحصول على 60% من الكهرباء على إسرائيل.
المواجهات الداخلية التي جرت في حزيران الماضي وجعلت حماس تسيطر على قطاع غزة ليست مبررا لحصار مليون فلسطيني بطريقة تتناقض مع كل التشريعات الدولية بعد أن اعتبرت إسرائيل غزة كيانا معاديا وطبقت على سكانه قانونها العنصري الخاص الذي لا يخضع لأية قيم ومعايير سياسية دولية ، بالرغم من أن إسرائيل ما زالت قانونيا هي المسؤولة عن قطاع غزة نظرا لسيطرتها على حدود القطاع ومجاليه البحري والجوي ، وبالتالي تمنع أي تدفق للمواد والموارد والخدمات والبضائع والأشخاص إلى القطاع.
أي تقدم حقيقي نحو السلام في المنطقة يتطلب بناء الثقة والتوقف عن عقاب الشعب الفلسطيني الذي يجب أن يبقى موحدا في الضفة الغربية وقطاع غزة تحت قيادة فلسطينية واحدة. وبما أن المجتمع الدولي وإسرائيل يقران بقيادة الشرعية الفلسطينية برئاسة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على الشعب الفلسطيني ، فإن هذه الإجراءات الإسرائيلية موجهة أساسا ضد الشريك الفلسطيني وتعتبر عاملا في تعطيل التوصل إلى اتفاقيات مبنية على التعاون ، بالإضافة إلى أنها تمثل سلوكا عنصريا وعقابيا لا إنسانيا يؤثر على الحاجات الأساسية لحياة مليون ونصف مليون مواطن فلسطيني.
يحتاج قطاع غزة إلى دعم دولي فوري لتخفيف الحصار والمعاناة التي يعيشها أكثر من 75% من سكانه الذين يعانون من آثار الحصار وخاصة سوء التغذية وانعدام الرعاية الطبية والبطالة وانهيار الاقتصاد ، فلا يمكن في عالم يدعي العدالة وضمن إطار مسيرة سلمية إقليمية أن يتم الاستمرار بقبول هذا الحصار والتغاضي عنه نتيجة مبررات سياسية غير منطقية.
وبالإضافة إلى الحصار فإن هناك ممارسات ابتزاز إسرائيلية ضد سكان غزة لاستغلال حاجة السكان للتنقل ، حيث يتم الطلب من سكان غزة دفع مبلغ معين لشركات حماية أمنية إسرائيلية لمرافقة المواطنين في المعابر للحصول على الرعاية الطبية أو الحاجات الإنسانية العاجلة الأخرى ، وهذه الممارسات تضيف بعدا أشبه بعمل العصابات منه إلى سياسات دولة تريد أن تبحث عن أسس السلام مع الدول المجاورة.
الحاجات الأساسية لسكان غزة من مياه وكهرباء ووقود وأدوية وغذاء وعمل تبقى تحت رهينة وحشية الاحتلال الإسرائيلي والخلافات السياسية الفلسطينية والصمت الدولي والإقليمي الذي يضرب بعرض الحائط كل مبادئ ونصوص معاهدات حقوق الإنسان والقيم الإنسانية ، وبدون تحقيق هذه الحاجات الأخلاقية وحمايتها لكل المواطنين الفلسطينيين من الصعب جدا تصور حدوث حالة من السلام المستدام بين شعب يتعرض يوميا للحصار والقمع والقتل والتنكيل ، ودولة تثبت يوميا أنها ما زالت مصرة على عقلية الانعزال واستخدام القوة والابتزاز وانتهاك كل القيم الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان.
