ليس صدفة تلك الأهمية الكبيرة التي لفتت أنظار المراقبين وصانعي الحدث لقمة قزوين ولنتائجها التي تمخضت عنها، حيث كانت الزيارة الثانية من نوعها لرئيس روسي إلى إيران منذ ستة عقود بعد الزيارة الأولى التي كان قد قام بها الرئيس الروسي (السوفييتي) السابق جوزيف ستالين إلى طهران في القمة الشهيرة التي التأمت لدول الحلفاء عام 1943 وضمت إلى جانبه كلاً من رئيس وزراء بريطانيا آنذاك ونستون تشرشل والرئيس الأميركي تيودور روزفلت.

فقد شكلت قمة قزوين التي عقدت مؤخراً بمشاركة الدول المطلة (كازاخستان، تركمانستان، روسيا، أذربيجان، إيران) خطوة سياسية محسوبة في الرواق الخلفي الجنوبي للساحة الجيو استراتيجية الروسية، كما شكلت تكتلاً جديداً شمال إيران في ظل صراعات ما بعد الحرب الباردة، وفي مناخات العودة المحمومة لصراع القطبين بين موسكو وواشنطن.

فروسيا تناور في التحالفات وتصنع التكتلات وتحاول نقل المعارك السياسية والاستعصاءات الدبلوماسية من كوسوفو والبلقان إلى ساحات بعيدة، وتأخذ بعين الاعتبار المنطق الجيوبولتيكي، ومنطق السياسة، والأيديولوجيا، والمصالح، والبراغماتيا العملية.. وكلها عوامل تبرر المنحى العام لما جرى في سياق الإعداد والتحضير لقمة قزوين وفي نتائجها التي وصلت اليها.

وعلى هذا الأساس، كانت قمة قزوين استثنائية بامتياز نظراً لعدة اعتبارات من الناحيتين السياسية والاقتصادية، وحتى من الناحية الاستراتيجية التي تخص سياسات الدول المعنية خصوصاً كل من روسيا وإيران.

حيث جاءت القمة بعد فترة قصيرة من تداعيات فشل المحادثات التي أجرتها في موسكو، كل من وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، ووزير الدفاع روبرت غيتس، حول مسألة الدرع الصاروخي ونشره في أوروبا، حيث ذهبت الخطة الأميركية بعيداً في الاستهتار والاستهانة بالحضور والدور الروسي في الساحة الدولية خصوصاً الأوروبية منها.

كما أتت القمة متوافقة مع ردود الفعل الروسية تجاه نية واشنطن نشر منظومة الدرع الصاروخية في أوروبا حيث أطلق الرئيس فلاديمير بوتين صرخته القتالية مهدداً بإعادة نشر منظومة السلاح النووي الروسي بما في ذلك منظومات نووية استراتيجية جديدة جداً، وصواريخ باليستية عابرة للقارات ما لم تتخل الولايات المتحدة عن نشر منظومة الدفاع ضد الصواريخ في شرقي أوروبا.

مشيراً إلى أن الجيش الروسي يعد لمثل هذه الخطوات حالياً، ومضيفاً بأن روسيا ستنتهي من بناء غواصتين نوويتين بعيدتي المدى، والبدء ببناء غواصة ثالثة حتى 2015 وتزويد سلاح الجو بجيل جديد من الطائرات القتالية والطائرات القاذفة من طراز «توبولوف» المزودة بصواريخ جوالة دقيقة وبعيدة المدى.

وعليه، فالقمة التي نجحت في التوصل إلى خطوط ومفاهيم سياسية توافقية بين أعضائها بصدد العديد من المواضيع المهمة، نجحت أيضاً في حل مشاكل لها علاقة بتقاسم ثروة بحر قزوين من النفط والغاز، وفي رسم خطوط عامة لتبادلات واتفاقيات اقتصادية، فتحولت من مؤتمر وقمة لـ «رسم الحدود البحرية لكل دولة على مساحات بحر قزوين» إلى ملتقى للتعاون الاقتصادي والسياسي.

وتجاوز مشكلة إعلان المحاصصة في ثروات قزوين، والتي توقع المراقبون أن تكون العنوان الطاغي والأساسي لهذا المؤتمر، فلم تستطع القمة إخفاء الجانب الإستراتيجي الآخر، والكامن في قطع الطريق على المحاولات الأميركية المحمومة، لبدء لعبتها الخاصة في تلك المنطقة الواعدة التي يعتقد البعض بأن مستقبلها سيكون كحال الخليج العربي من حيث الأهمية النفطية الاستراتيجية مخزناً وموقعاً.

كما أن نجاح قمة قزوين ونتائجها يعبر في جانب منه عن تحد روسي وإصرار من الرئيس فلاديمير بوتين على مقارعة السياسات الخارجية الدولية للإدارة الأميركية في المناطق الحيوية على المعمورة بطريقة سلسة هادئة دبلوماسية أحياناً وبطريقة عالية وحادة ومرتفعة أحياناً، كما في حال الموضوع الإيراني الذي بات منذ مدة طويلة مثار صراع متقد يدور تحت الرماد بين موسكو وبكين من جهة وواشنطن من الجانب الآخر.

فموسكو حتى الآن عارضت كل العقوبات المفروضة من قبل الأمم المتحدة، وقالت أكثر من مرة إنها تريد أن يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالعمل مع إيران حول توضيح النقاط العالقة فيما يتعلق ببرنامجها النووي، وتوافقت في هذا الموقف مع جمهورية الصين الشعبية التي مازالت بدورها تنتهج سياسة وان بدت «شديدة الاعتدال» داخل أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لكنها تخفي وراءها تعاكساً مع الموقف الأميركي الحاد بالنسبة للموضوع النووي الإيراني.

وبالنتيجة، عكست القمة أشكالاً من التفاهم والتعاون الإيراني مع روسيا، فحصلت إيران على دعم لنشاطها النووي في رسالة روسية مبطنه للولايات المتحدة، وفي الاتفاق على رفض أي استخدام لأراضي الدول المجتمعة في حرب عدوانية قد تشن على أي منها، وبالطبع فان الدولة المعنية بأي عدوان هي إيران بالدرجة الأولى.

أما في الجانب المتعلق بالمكاسب الإيرانية والملف الإيراني النووي فقد ضربت طهران أكثر من عصفور بحجر واحد، فحصلت على سلة من الاتفاقيات الاقتصادية وفي غالبيتها تصب في صالحها، واكتسبت موقفاً مؤثراً يشير إلى حقها في امتلاك الطاقة النووية السلمية وعودة موسكو لتشغيل محطة بوشهر، والتحذير من أي استخدام للقوة مع إيران بشأن برنامجها النووي، فروسيا.

وهذا ما يوضحه الناطقون الروس في كل وقت، لا ترى في طهران تهديداً استراتيجياً، بل جاراً جنوبياً وسوقاً ذات طاقة كامنة هائلة، فرغم استياء واشنطن الجلي، تبيع روسيا إيران معدات عسكرية بالمليارات، بل وتبني لها مفاعل في بوشهر.

من جانب آخر، إن انعقاد قمة دول قزوين يأتي في سياق السياسات الدفاعية الروسية لمواجهة التغلغل الأميركي في الساحة الخلفية لروسيا، في الجمهوريات الآسيوية التي كانت سابقاً جزءاً من منظومة الاتحاد السوفييتي، فالهاجس الروسي من الوجود العسكري الأجنبي حول قزوين وفي أذربيجان يتعاظم في حساسيته ويعتبر الوجود والحضور العسكري الأميركي بأي شكل من أشكاله اعتداءاً وتهديداً للأمن القومي الروسي.

فروسيا التي أضحت عام 1990 الوريث الفعلي لإمبراطورية الاتحاد السوفييتي تجد نفسها مهددة في أمنها القومي وفي مصالحها على النطاق الاستراتيجي الدولي والنفوذ الأميركي يحيط بها خصوصاً في مناطق جمهوريات آسيا الوسطى السوفييتية السابقة، مع استمرار العبث الخارجي بأوضاعها الداخلية في مناطق جمهوريات الحكم الذاتي في منطقة القوقاز، والزنار المحيط بها عند تخوم جمهوريات آسيا السوفييتية السابقة (أذربيجان، قيرغيزيا، تركمانستان، أوزبكستان، طاجكستان).

ولكن، ومع إدراك روسيا بأنها ليست دولة عابرة بل دولة مسؤولة تفهم قواعد الالتزامات وهوامش المناورات فإنها تناور بالسياسة وتلوح بأدواتها الممكنة، ومن الصعب أن تنجر نحو تطاحن دولي متفجر، فهي عارضت الحرب على العراق وتضررت مصالحها هناك، وطارت اتفاقياتها الاقتصادية الواسعة التي أبرمت زمن نظام صدام حسين، إلا أنها لم تنجر إلى حالة «كسر العظام» مع واشنطن، فحاربتها بالسياسة والتحالفات، وتركتها تتورط لوحدها في أوحال الملف العراقي.

وبهذا فان تعقيدات ملف العلاقات الغربية وتحديداً الأميركية مع روسيا، ستتزايد تحت جمر التباين في المصالح الكونية والإستراتيجية خصوصاً، لكنها ستبقى تحت سقف دونه «المكاسرة» المباشرة، بالرغم من أن موسكو ومن وجهة نظر استراتيجييها ومنظريها لن تبقى تراوح مكانها بل ستسعى لاستعادة دورها ووزنها الدولي، والانتقال من صفوف المتفرجين على الحدث إلى صف العاملين والمقررين بالقضايا الكبرى الساخنة في العالم بعد سنوات من التهميش والتجاهل بل والحصار الأميركي لدورها وفعلها.

كاتب فلسطيني ـ دمشق