العولمة، العولمة. كل الناس يتحدثون الآن عن العولمة. المؤتمرات الدولية تعقد من أجلها. والمؤتمرات العربية تعقد من أجلها أيضاً لمناقشة آثارها أو تأثيراتها علينا.

ما الذي سيحصل لنا بعد الدخول في هذا العصر الجديد؟ ما الذي سيحصل لقيمنا، لتراثنا، لحياتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية. الخ؟ الكل مهموم بهذه المسائل الآن، والجميع يحاولون أن يجدوا مخرجاً، أو طريقة للتوفيق بين العولمة/والأصالة.

ولهذا السبب تعقد الندوات والمؤتمرات في العواصم المختلفة. ولكن ينبغي أن نطرح أولاً هذا السؤال: ما هي العولمة؟ ومتى نشأت بالضبط؟ وما هي ملامحها العريضة؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا المقال.

يمكن القول بأن الكلمة حديثة العهد. فهي لم تظهر في اللغة العربية قبل عشر سنوات او ثلاث عشرة سنة على أكثر تقدير. أو قل لم تصبح دارجة ومستخدمة بكثرة من قبل الصحافيين والسياسيين والمفكرين قبل هذه الفترة.

وقد نجحت الكلمة فوراً وسارت على الألسن. وهذه ظاهرة تستحق الانتباه. فهناك اشتقاقات لغوية جديدة تنجح فوراً، واشتقاقات أخرى تفشل أو لا تنجح الا ببطء شديد. اما كلمة العولمة أو مصطلح «العولمة» فقد نجح ونال صيتاً طويلاً عريضاً. في الواقع إنه ترجمة للكلمة الفرنسية mondialisation.

وهي كلمة لم تظهر في اللغة الفرنسية قبل عام 1960 بحسب قاموس روبير الشهير. ولم تستخدم بكثرة قبل السنوات الأخيرة: أي بعد أن أصبحت العولمة ظاهرة كبرى لا تقاوم أو لا يستطيع أحد تجاهلها. وفي البداية خلط الناس بينها وبين «الأَمركة»، أي سيطرة نمط الحياة الأميركية على العالم. ولكن الأمور أكثر تعقيداً من ذلك.

صحيح أن انهيار الاتحاد السوفييتي جعل من الولايات المتحدة الأميركية القوة العظمى الوحيدة في العالم. فهيمنتها السياسية والعسكرية والإعلامية والمصرفية بل وحتى اللغوية والثقافية واضحة جلية. ولكن لو نجح الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة لفرض «العولمة الشيوعية» على العالم أيضاً.

وبما أن المعسكر الغربي هو الذي انتصر عام 1989 فإن العولمة الليبرالية هي التي فرضت نفسها. ولكن نخطئ إذا قلنا إن الحياة الأميركية سوف تفرض نفسها بالقوة على كل بقاع الأرض. فالناس أحرار في المحافظة على عاداتهم ولغاتهم وثقافاتهم وأديانهم. ولا أحد يجبرهم على تغييرها. وأميركا لا تطالب بذلك أبدا. فقط تطلب ألا تمتلئ برامج التعليم بكره الآخرين وتكفيرهم والحقد عليهم لمجرد انهم ينتمون الى دين آخر.

صحيح أن اللغة الإنجليزية هي اللغة المهيمنة في عصر العولمة. ولكن لا أحد يجبر العرب أو الفرنسيين مثلاً على التخلّي عن لغتهم العربية أو الفرنسية!.. ولكن غزو الإنجليزية للغات الأخرى سوف يزداد. وهذا هو قانون التاريخ.

فكل شيء ينتصر يفرض نفسه ويصبح الناس معجبين به ويحاولون تقليده. وقد علّمنا ابن خلدون أن الضعيف يقلّد القوي ويحاول أن يحذو حذوه. ولذلك تجد الفرنسي يشعر بالدونية تجاه الأميركي، والعربي تجاه الفرنسي الخ.. وربما لهذا السبب راح الفرنسيون يدافعون عن لغتهم ويمنعون تسرُّب المفردات الإنجليزية كثيراً إلى وسائل إعلامهم. وكان وزير الثقافة الديغولي السابق «جاك توبون» قد أصدر قراراً في هذا الاتجاه.

وقال: ينبغي أن نمنع الإنجليزية من غزو لغتنا الفرنسية في عقر دارها! ودعا الباحثين الفرنسيين إلى التقليل من كتابة بحوثهم باللغة الإنجليزية من أجل نشرها في المحافل الدولية. ويمكن أن نقول نحن العرب نفس الشيء. فقد أصبحت لغتنا أيضاً مغزوة في عقر دارها من قبل التلفزيونات الأجنبية كالفرنسية والإنجليزية بل وحتى الإيطالية (ينطبق هذا الأمر بشكل خاص على بلدان المغرب العربي).

ولكن على الرغم من كل ذلك فسوف تبقى هناك ثقافة انجليزية وثقافة عربية وثقافة فرنسية أو ألمانية أو روسية، الخ... في عصر العولمة القادم. وبالتالي فلا ينبغي أن نخشى على أنفسنا من التنميط التام على الطريقة الأميركية. فهذا لن يحصل إلا بنسبة ضعيفة ومقبولة. واللغة العربية ستكون إحدى لغات العالم الأساسية عام 2050. بل هي الآن إحدى اللغات الأساسية. وهذا مدعاة فخر واعتزاز بالنسبة لنا.

نقول ذلك وبخاصة اذا ما قبل أصحابها بأن يطوروها ويبسطوها نحوا وصرفا وإملاء لكي تقترب من اللغة المعاشة النابضة بالحياة. ثم اذا ما فعلوا المستحيل لتغذيتها بالمصطلحات والتراكيب الجديدة عن طريق ترجمة أمهات الفكر العالمي اليها. عندئذ لا يعود عندنا أي خوف على اللغة العربية. صحيح أن الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية الأميركية أصبحت تغزو أوروبا والعالم.

ولذلك اضطرت فرنسا إلى الدفاع عن «الاستثناء الثقافي» أو الخصوصية الثقافية الخاصة بها قبل التوقيع على اتفاقية «الجات» الشهيرة. بمعنى انها تقبل بالانفتاح على العولمة الاقتصادية وتبادل كل السلع بحرية ما عدا السلع الثقافية. فهذه سوف تدافع عنها حماية للإبداع الفرنسي ولكيلا يطغى عليه الإبداع الأميركي أو الأنغلو ساكسوني.

وهذا شيء مفهوم. ولكن المسلسلات الفرنسية والأوروبية والعربية لا تزال موجودة على الرغم من العولمة وطغيان المسلسلات الأميركية!... وإذن فالهيمنة الأميركية موجودة ولكنها نسبية. وأميركا لن تفرض نموذجها على العالم بالقوة كما كان سيفعل العالم الشيوعي لو أنه انتصر في الحرب الباردة. فأميركا ليبرالية، تعددية، ديمقراطية تحترم خصوصيات الآخرين. وبالتالي فلا ينبغي أن نخشى من تعميم المطبخ الأميركي «كالماكدونالدز والهمبرغر» على جميع شعوب الأرض! الخ..

ولحسن الحظ فإن تنوع العالم، وتعدد ثقافاته ولغاته وتقاليده سوف يستمر. فلو أصبح العالم شيئاً واحداً أو نمطا متشابها لتحول إلى شيء ممل ورتيب. التعدد والتنوع هو سر جمال العالم وسحره. لو أصبح العالم منظراً واحداً أو مشهداً واحداً يتكرر على طول الخط من بلد الى بلد ومن قارة إلى قارة لمللنا منه.

ولكن لحسن الحظ فهناك مناظر الصحراء، ومناظر الوديان، ومناظر الجبال أو السهوب الممتدة على مدّ النظر، الخ.. ولحسن الحظ فهناك الأدب العربي، والأدب الإنجليزي، والأدب الفرنسي، والأدب الأميركي، والأدب الروسي، الخ.. ولكن يبقى صحيحاً القول بأنه تكمن وراء هذا التنوع وحدة الجنس البشري. فالبشر في كل مكان يحبون، ويتألمون، ويكرهون، ويتخاصمون... وإذن فالتنوع لا ينفي الوحدة، والوحدة لا تنفي التنوع.

يبقى صحيحاً القول إن البشر لم يتعرفوا على بعضهم البعض مثلما حصل في العقود الأخيرة من السنين، أي بعد أن دخلنا في عصر العولمة. ففي السابق كانت تفصل بينهم الحدود والحواجز والمسافات البعيدة، واليوم لم يعد يفصل بينهم أي شيء تقريباً! فقد تفطر في باريس وتتغدى في نيويورك وتتعشى في طوكيو... هذا يعني أن العولمة قد ألغت المسافات، أو بالأحرى قلّصتها، وقلَّصت الزمن أيضاً، وهذا هو أحد تعريفات العولمة.

العولمة تعني تقليص الزمان والمكان أو اختصارهما، ثم إلغاء الحدود بين البلدان والقارات. سوف أضرب على ذلك المثل المحسوس التالي. قبل ست أو سبع سنوات كان يلزمنا أربع ساعات بالقطار العادي لكي نذهب من باريس الى بروكسيل. والآن نستطيع أن نقطع المسافة بساعتين فقط بواسطة القطار السريع جدا !

كان يلزمنا تسع ساعات من باريس الى مرسيليا والآن يلزمنا فقط ثلاث ساعات.. وقبل اختراع القطار كوسيلة للسفر كان يلزم البشر عدة أيام أو عدة أسابيع من المشي أو من ركوب الجياد لكي يقطعوا نفس المسافة. وهكذا دواليك.. وأما الطائرة فتختصر المسافة كلها بساعة واحدة... هذه هي العولمة. انها تعني تحويل العالم كله إلى «قرية كبيرة» كما قال الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان.

نعم لقد تحول العالم إلى قرية ضخمة في عصر الأقمار الاصطناعية والمواصلات السلكية واللاسلكية. وفي الماضي كان الحدث يستغرق عدة أيام، إن لم نقل عدة شهور، لكي يصل إلى الناس. واليوم أصبح يصل إليهم في اللحظة التي يحدث فيها عن طريق الانترنت والقنوات الفضائية.

فالناس في طوكيو أو نيويورك أو الرياض أو باريس أو القاهرة يتلقون الحدث السياسي أو الرياضي في نفس اللحظة عن طريق شبكة الأقمار الاصطناعية وأجهزة التلفزيون. وبالأمس رأينا التفجير الإجرامي الذي استهدف بنازير بوتو في نفس اللحظة الذي حصل فيه.. ونحمد الله على انها نجت منه. وأنا اذ أكتب هذا المقال أتنقل بين عدة فضائيات من العربية الى الجزيرة الى أبوظبي الخ..

وبالتالي فلا أشعر بالغربة على الرغم من إقامتي في الخارج منذ سنوات طويلة. فاللغة وطن. ويكفي ان أسمع الأخبار والبرامج والتعليقات بلغتي العربية حتى تخف وطأة غربتي فلا أكاد أشعر بها. شكرا للعولمة اذن..

ولا ننسى دور «الفاكس» و«الانترنت» اللذين أصبحا يصلان كل أجزاء العالم ببعضهما البعض في لحظة واحدة. وقل الأمر ذاته عن الهاتف النّقال الذي انتشر مؤخرا وكأنه معجزة حقيقية.. وبالتالي فالعولمة والثورة المعلوماتية شيئان متلازمان لا ينفصمان. وهنيئا لمن عاش لكي يشهد عصر العولمة الكونية.

كاتب سوري - باريس