لم يعد هناك من خيار أمام اليمنيين بمختلف قواهم السياسية من حل سوى الحوار، فهو المنقذ والمخرج الذي يعول عليه لانتشال البلاد من حالة الاحتقان التي وصلت إليها الأمور، والتي وصلت إلى حد خرج فيه الجميع عن الثوابت وتجاوز الخطوط الحمر التي لا يحق لأي كان، وتحت أي مبررات تجاوزها.

لم يعد ممكنا أن تستمر الحكومة في تجاهل أوضاع الناس، كما لم يعد بالإمكان أن تتجاهل أحزاب اللقاء المشترك المنزلق الخطير الذي قد تؤول إليه الأمور وتنجر إليه البلاد فيما لو استمر هذا التهييج للناس واستغلال أوضاعهم، وخلق بيئة صالحة لأصحاب النفوس المريضة لبث سمومهم..

وما حدث في ردفان ينبغي أن يكون نقطة تحول هامة، ينبغي أن يتوقف عندها الجميع وان يراجع الناس ـ سلطة ومعارضة ـ حساباتهم. وعلى الجميع أن يدرك انه في مرحلة ما ستخرج الأمور عن السيطرة ولن يكون بالإمكان إيقافها أو توجيهها، ولن تنفعنا حسن النوايا بعد خراب مالطة.

إذا فالحوار والحوار وحده هو السبيل الوحيد للخروج من المأزق الذي نعيشه، ولكي ينجح الحوار فلابد لنا جميعا من الاقتناع بان الحوار أولا وأخيرا هو الوسيلة الأمثل لإنقاذ الوضع، وعليه فينبغي علينا جميعا أن نأخذ الحوار على محمل الجد، وان نهيئ أنفسنا للقبول بنتائج الحوار أيا كانت طالما والمصلحة الوطنية هي هدف الجميع.

ولكي ينجح الحوار فلابد على القوى والأحزاب اليمنية وعلى السلطة تحييد الإعلام ومنعه عن الخوض في أمر الحوار إلى أن ينتهي الحوار.. نريد أن نتحاور على طاولة الحوار لا على صفحات الجرائد والمواقع الالكترونية.

ولكي ينجح الحوار فلابد من أن يبتعد الجميع عن التصريحات المستفزة والمقززة والتي لا تخدم إلا أعداء الوطن ومشعلي الفتن وتجار الأزمات. علينا إذا أردنا أن ينجح حوارنا أن نلجم كل أولئك الذين يتاجرون بقضايانا الوطنية أكانوا إعلاميين أو صحافيين أو حزبيين أو مسؤولين في السلطة والمعارضة. وعلينا أن نمتنع جميعا عن التصريحات الاستفزازية والمتعالية والمتشنجة.

على السلطة والحزب الحاكم الابتعاد عن اعتبار الحوار هبة تمن بها على أحزاب المعارضة أو مجرد وسيلة لأخذها بعيدا عن القضايا الرئيسية، وعلى أحزاب المعارضة من جانبها أن تبتعد عن اعتبار الحوار مجرد وسيلة من وسائل المناورة وإضاعة الوقت.. على أن الجميع أن يأتي للحوار بقلب مفتوح ونية صادقة بان الحوار هو الحل وان يكون الهدف هو الخروج بالبلاد من المأزق الذي تعيشه وليس جرها إلى مآزق أخرى.

على أن السؤال المهم هنا هو هل قادة العمل الحزبي اليمني بشقيه السلطوي والمعارض مؤهلون للحوار وهل يمكن أن نتوقع منهم تصرفا نبيلا يقفز فوق المصالح الشخصية إلى المصالح الوطنية؟ الحقيقة المرة انه لا يمكننا أن نتوقع منهم أي شيء من هذا، فقد خبرناهم منذ زمن بعيد فهناك هوة سحيقة وحالة من الشك وعدم الثقة بين تلك القيادات تراكمت على مر سنوات الصراع ولن يكون من السهل عليهم التخلي عنها هكذا بسهوله.

و مع ذلك فأنا على يقين تام أن هناك في السلطة والمعارضة من هم يقدرون بالفعل على اتخاذ هكذا خطوات، لكن علينا أن نسلمهم أمر الحوار. إنني هنا أدعو صراحة إلى تغيير الأشخاص المتحاورين فلا يمكنني تخيل أن ينجح حوار يقوده عبدالقادر باجمال وعبدالوهاب الآنسي ويسن سعيد نعمان وسلطان العتواني. كما لا يمكنني تخيل أن ينجح حوار يقوده سلطان البركاني ومحمد قحطان ومحمد الصبري وعلي الصراراي وطارق الشامي.

لا استطيع تخيل أن ينجح أي حوار يقوده هؤلاء القادة الكبار ليس لأنهم غير مؤهلين أو لأنهم غير وطنيين فتلك تهم هم بعيدون عنها كل البعد إنما المشكلة أن علاقة هؤلاء ببعضهم قائمة على الشلك والريبة ولا يثق أي منهم بما يقوله الآخر.. وهم عندما يتحاورون لا يتحاورن أو يناقشون ما يقدمه كل منهم بل إنهم يناقشون ويحاورون نوايا كل منهم.

اذكر في العام 1997 إننا في المركز اليمني للدراسات الإستراتيجية الذي كان يرأسه يومها نصر طه مصطفى نظمنا ندوة عن تقييم الأحزاب اليمنية الرئيسية المؤتمر والإصلاح والاشتراكي، واذكر أنني وقفت مذهولا أمام نوعية النقاش الذي دار فقد قدمت للندوة أوراق عمل مكتوبة تم عرضها على قادة الأحزاب الرئيسية للتعليق عليها ويوم الندوة فوجئت بان المعلقين لم يكونوا يعلقون على ما هو مكتوب في الأوراق وإنما انصبت تعليقاتهم على نوايا معدي الأوراق وما يقصدونه..

واذكر جيدا أن عبدالوهاب الانسي يومها كان يعلق على ورقة قدمها الدكتور محمد عبدالملك المتوكل وأن تعليقه كان كما يلي: يقول الدكتور محمد إننا في حزب الإصلاح عملنا كذا وكذا واستفدنا من كذا وكذا وهون يقصد أننا عملنا كذا وكذا فانصب تعليق الانسي على ما يقصده المتوكل لا على ما كتبه في ورقته..

هذه إذا مشكلتنا مع هؤلاء القادة أنهم يحاكمون نوايا بعضهم البعض ولا يحاكمون ما يقولونه أو ما يتقدمون به من مقترحات وهذا ما يجعل الفشل مصير أي حوار يقودونه لذلك فلابد من تسليم مهمة الحوار لقادة غيرهم.