لا يمكن لعاقل أن يتصور مشروعاً للنهضة وطريقاً للتقدم السياسي والرقي الاجتماعي في بلادنا مع إقصاء تام للدين، كعقيدة وقيم وتعاليم ونفحات روحانية وسمات أخلاقية. ويبدو أن الأغلبية الكاسحة في العالم العربي تؤمن بهذا الاتجاه بدليل حرص كافة الدساتير العربية على إبراز الإسلام كشريعة وهوية.
لكن النخب من المحيط إلى الخليج انشغلت طيلة العقود المنصرمة بـ «التنظيمات والجماعات السياسية ذات الإسناد الإسلامي» والتي يحلو للبعض أن يطلق عليها «الإسلام السياسي» أو «الأصولية الإسلامية»، وأهملت كثيرا التجمعات والقوى الدينية، التي لا ترغب في الدخول إلى ساحات السياسية ودهاليزها بشكل مباشر، وتضع جل اهتمامها في التربية الخلقية والسمو الروحي للفرد والجماعة.
وبينما ينصب جانب من أحاديث الإصلاح على كيفية التعامل مع تيارات «الإسلام السياسي» والشروط اللازمة لإدماجها الكامل في العملية السياسية، من عدمه، فإن هناك تجاهلا واضحا وفاضحا للجانب الآخر من الظاهرة الدينية العربية، والذي يتعلق بالجماعات والمؤسسات «الدعوية» التي لا تهتم بالعمل في السياسة أو ترغب في الوصول إلى السلطة.
وهناك إهمال في الجدل الفكري حول التحول الديمقراطي لمدى تقبل منظومة القيم والأفكار والتوجهات التي ترسخها تلك الجماعات والهيئات والمؤسسات لثقافة الديمقراطية، بقيمها وإجراءاتها المعروفة والمعهودة.
من هنا لا يكتمل بحث الارتباط بين الظاهرة الدينية وبيئة الإصلاح السياسي العربية من دون دراسة متعمقة للمؤسسات الدينية غير المسيسة سواء كانت إسلامية أو مسيحية، وهي المؤسسات أو الجمعيات التي تكرس جهدها للعمل الدعوى والخيري أو التربية الروحية، كما سبق الذكر.
ويأتي هذا الاهتمام في ضوء عاملين أساسيين: الأول هو أن بحث التأثيرات السياسية للظاهرة الدينية اليوم لا يتم بمعزل عن ضرورات الإصلاح السياسي الذي يشغل اهتمام السلطة والمعارضة والمثقفين وسائر منظمات المجتمع المدني.
والثاني هو أن الدين يضرب بجذوره في الحياة الاجتماعية العربية، مما يجعل استخدامه في المجال العام، ونقله إلى دائرة السلوك والحركة للعديد من مؤسسات الدولة الرسمية أو غير الرسمية وأفرادها، سهل الحدوث إلى حد كبير، بحيث لم تعد الممارسة والخطاب السياسي يدور حول علمانية صرفة في مقابل تدين خالص، بل خليط من هذا وذاك، أو بمعنى أدق تأويلات متعددة للنصوص الدينية، يتغلب واحد منها على البقية، ويفرض سلطانه عليها.
وربما لم يتجاوز اهتمام غالبية الباحثين العرب بهذه المؤسسات رصد دورها في العمل الأهلي أو الخيري، بوصفها من مؤسسات المجتمع المدني، من دون أن يمتد هذا الاهتمام إلى معرفة ما يمكن أن تسهم به هذه المؤسسات، في أفكارها وتصوراتها الذهنية، وممارساتها وسلوكياتها الحياتية، وهياكلها وأطرها التنظيمية، في تعزيز ثقافة الديمقراطية.
خاصة أن أتباعها يقدرون بعشرات الملايين، ويعتبرهم البعض من الدوائر المتعاطفة مع الجماعات والتنظيمات الإسلامية المسيسة، مثل الإخوان المسلمين والتنظيمات الراديكالية. كما أن هذه المؤسسات أعرق من جماعة الإخوان نفسها، ولديها شرعية دينية كبيرة بين الجماهير.
فبينما تعود نشأة الإخوان المسلمين إلى عام 1928 في مدينة الإسماعيلية المصرية ترجع نشأة الطرق الصوفية المصرية إلى عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي، لتأخذ شكل التنظيم العسكري في العصرين المملوكي والعثماني، ولتصدر أول لائحة رسمية لها في عام 1903.
فيما نشأت «جماعة أنصار السنة المحمدية» في مصر في عام 1926، لتحارب الصوفية، وتنحو نهجا فكريا سلفيا، ولها مئة فرع، ويتبعها ألف مسجد منتشرة في شتى أنحاء مصر، وقبلها تأسست «الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة» عام 1922 وتملك أكثر من 350 فرعا في مختلف أنحاء مصر، وتتمتع بتنظيم ومركزية وسياسة موحدة أكثر من الجمعيات الإسلامية الأخرى.
واستطاعت بناء العديد من الروابط الواسعة والقوية مع الجمعيات الطلابية بالجامعات والمجموعات الإسلامية الأخرى، وتكوين شبكة واسعة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية، وإنشاء العديد من المدارس والعيادات والمكتبات ودور الحضانة وخدمات النفع العام، التي يستفيد منها ملايين الناس.
ومن جانب آخر، فإن المنظمات غير الحكومية المسيحية لها آثارها في المجتمع العربي. وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن واحدة من أنجح الجمعيات المسيحية وهي الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية يرجع تأسيسها لعام 1952، ويستفيد من أنشطتها نحو 5. 1 مليون مواطن مصري. وهذا المثل المصري ينطبق على الحالة العربية إلى حد كبير.
من هنا يتحتم إمعان النظر في دراسة القيم والتوجهات الديمقراطية التي تحكم فكر وممارسة وتنظيم بعض هذه المؤسسات كمدخل أولي إلى البحث عن طرق أنجع تقود إلى تعزيز ثقافة الديمقراطية لدى شريحة اجتماعية كبيرة، ولديها مصداقية، داخل المجتمع العربي. فبحث مستوى الوعي العام حول قيم الحرية وممارستها لدى قيادات المؤسسات الدينية غير المسيسة يسهم مع مرور الأيام في على إكساب هذه المؤسسات مهارات الممارسة الديمقراطية في الواقع العملي.
ومن الضروري أن تنطوي دراسة هذه المسألة أو حتى مجرد النظر فيها ووضعها محل اعتبار وتدقيق وتقويم على عدة مسارات.
أولها يتمثل في التعرف عن كثب على بعض الأعضاء الفاعلين في هذه المؤسسات، توطئة لعقد دورات تدريبية لبعض من قادتها وأعضائها حول ثقافة الديمقراطية، وفي مطلعها أدب الحوار، وتقبل الآخر، والتسامح تجاه الغير، وعدم الافتئات على الحريات والحقوق العامة.
وثانيها يتمثل في بحث القيم والتوجهات الديمقراطية لدى هذه المؤسسات، وذلك عبر دراسة ثلاثة عناصر، الأول يتعلق بالأفكار والمبادئ الرئيسية التي تتبناها هذه المؤسسات، والثاني يتمثل في الممارسات الآنية والتجربة التاريخية، والثالث يرتبط بالهياكل التنظيمية والإدارية وطريقة إدارة العمل داخل هذه المؤسسات بين القمة والقاعدة. وثالثها يتجسد في تحديد مجموعة القيم التي سيقوم الباحثون والعلماء والخبراء بدراستها، تدور أساسا حول الحرية، والتسامح، والعدالة والمساواة، والشفافية.
إن قضية إدماج التنظيمات والجماعات السياسية ذات الإسناد الإسلامي في المشروعية القانونية والشرعية السياسية، باتت واحدة من أبرز القضايا الخلافية بين النخب السياسية العربية الراهنة، إذ لا يخلو حديث الإصلاح السياسي من تناول كيفية التعامل مع هذه الجماعات، ومدى ما بلغته من تطور في الخطاب والسلوك يؤهلها لتصبح جزءاً أصيلاً من حياة سياسية ديمقراطية.
لكن الأغلبية الكاسحة من الباحثين والمهتمين والساسة ينسون أو يتناسون أن التجليات الاجتماعية للدين في العالم العربي لم تسفر فقط عن تنظيمات مسيسة، تتخذ من الدين أيديولوجيا لها، بل أيضا أنتجت مؤسسات وهيئات ليس بينها وبين السياسة، بمعناها العام والخاص، اتصالا مباشرا.
وقد بات من الضروري أن نلتفت إليها، إذ يمكن من خلالها نشر ثقافة الديمقراطية التي أصبحنا في حاجة ماسة لها، ليخرج العرب من إسار الاستبداد والشمولية والطغمائية إلى آفاق التعددية السياسية الحقيقية، وتداول السلطة، والإيمان بأن الحريات العامة غير قابلة للمقايضة أو التنازل بأي حال من الأحوال.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة