حينما تستهدف الأوطان من خارج الأوطان لا يكون هناك من ضمان لوحدة وسلام الوطن سوى الانتماء الوطني الذي يجمع ويعلو على الانتماء الحزبي الذي يفرق، ولا يكون لهذا الاستهداف من أعوان سوى تنازع الأمر بين الأحزاب إلى حد المواجهة والسقوط في الاقتتال.

مما يفتح أبواب الوطن لأعداء الوطن في الخارج تحت لافتات خادعة بتوظيف خلافات الداخل وتأجيج التقسيم أو إنهاك الوطن، ويسهل لغير الأسوياء في الداخل إلى الاستقواء بالخارج لتقوية صراعهم على السلطة.

وحينما يكون هناك خلاف وطني سواء على عدالة المشاركة في السلطة الوطنية أو على عدالة توزيع الثروة الوطنية، فلن يحل إلا بالحوار الوطني الشامل بين قوى الوطن وتياراته السياسية كافة للتوصل إلى توافق وطني يمنع طرف واحد أو طرفين من احتكار الحلول بما يوقعهما وحدهما في تحمل مسؤولية الفشل، ويجمع كل الأطراف على هدف وطني أعلى من اى غرض حزبي، ويضع من الحلول ما يلقي بمسؤولية تحقيق النجاح على الجميع.

وحينما تبدو الحزبية والمناطقية لدى أصحاب المصالح أهم من الوطنية السودانية، بل حينما تصبح المصالح الحزبية لدى البعض أعلى من المبادئ الحزبية، فإن كل المساحيق والأقنعة لإخفاء الهدف الحقيقي المناقض لمتطلبات الوحدة الوطنية باسم «الديمقراطية والسلام» سرعان ما تسقط في إطار الصراع الحزبي أمام بريق كراسي السلطة، وفى الصراع الدولي أمام إغراء نفط الجنوب أو يورانيوم الغرب.

هذا بعض ما تكشف عنه الأزمة السياسية الأخيرة التي أثارتها الجبهة الشعبية حول مطالب جنوبية تتعلق بتطبيق اتفاق «نيفاشا» للسلام بشأن اقتسام السلطة والثروة وإجراء الاستفتاء على استمرار الوحدة بين الشمال والجنوب في توقيت غير ملائم للسودان الذي كان يركز جهوده في حل المشكلة بين المركز والغرب، بما يبعث على التساؤل عما إذا كانت بعض أطراف السودان تريد وحدة السودان حقا أم لا ؟!

كما أن بعض ما تكشف عنه هذه الأزمة ذلك الارتباط بين الجنوب والغرب، وفيما يجرى من صراع حزبي بين أهل الشمال في الخرطوم حول طرق الحل وتداعيات ذلك وانعكاساته على الجنوب والغرب. وفي الغرب كان اتفاق اقتسام السلطة والثروة مع المتمردين في الجنوب عامل إغراء للمتمردين في الغرب لمحاولة الحصول على مكاسب مماثلة.

وبينما كان انقسام حزب المؤتمر الشعبي إلى حزبين متعارضين بين الرئيس البشير والدكتور الترابي عاملا مؤثرا في التمرد الغربي بغير شك كان التنسيق بين جبهة قرنق في الجنوب وحركة عبد الواحد في الغرب عاملا مؤثرا آخر في تأزيم الموقف في الغرب فور تهدئته في الجنوب، كموقع تبادلي للتأزيم المشترك في اللحظة المناسبة ضد الحكومة في الخرطوم.

ولأن ما يمس سلامة ووحدة السودان يكون له انعكاساته وصداه في الجوار العربي الشقيق للارتباط المصيري الواحد، كانت المبادرة المصرية الليبية لحل أزمة الجنوب والشمال معا عنوانا لذلك الارتباط، كما كان التحرك المصري سريعا بين الخرطوم وجوبا إيجابيا في أزمة الجنوب، مثلما كان التحرك الليبي منذ البداية وفي مؤتمر سلام دارفور المقبل إيجابيا على خط الأزمة في الغرب.

وبعد ذلك يبدو استمرار تعليق المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية غير ملائم برغم تجاوب الرئيس عمر البشير مع مطالب النائب الأول «سيلفا كير» بالتعديل الوزاري بما يؤشر لحسن نوايا الحكومة لحل الخلافات بروح الشراكة الأخوية الوطنية.

والتهديد الجنوبي بفض الشراكة مع الشمال والدعوة لتدويل الحل قد يعيد فتح ملف «نيفاشا» لغير صالح السودانيين في الجنوب قبل الشمال، وتفجير أزمة جديدة في الجنوب في هذا التوقيت المتجه إلى «سرت» للتهدئة في الغرب يبدو كنوع من الابتزاز السياسي والانتهازية الحزبية الجديدة يتماهى مع الأجندات الخارجية.

ويتناقض مع ما يعلن من حرص على المصالح الوطنية وجناية حقيقية على «الوحدة والديمقراطية والسلام»! ويبقى النداء بضرورة الاتحاد الوطني وبضرورة مواصلة التحرك العربي والافريقي لمواجهة المخططات الأميركية والصهيونية الأطلسية الخارجية التي توظف الخلافات الحزبية الداخلية لإشعال الفتن الأهلية ولتقسيم الوطن السوداني، وتدويل القضايا العربية والإسلامية، هو النداء الأخير.

mamdoh77t@hotmail