في ضوء اتساع ظاهرة هجرة العقول من الدول النامية للدول الصناعية المتقدمة من ناحية، استمرار تخلف غالبية دول العالم الثالث من ناحية ثانية، تبلور مفهوم «استنزاف العقول» حيث تم اعتباره مشكلة تواجه العالم الثالث وتحد من قدراته على النهوض وتجاوز حواجز الفقر والتخلف.

تعتبر هجرة العقول، أي هجرة المتعلمين والمؤهلين تأهيلا علميا وفنيا من الدول النامية إلى الدول المتقدمة مشكلة من أهم المشاكل التي تعاني منها المجتمعات ضعيفة التطور. تلك الهجرة ساهمت ولا تزال تساهم في توسعة حجم فجوة الثروة والعلم والثقافة والحرية التي تفصل الشعوب النامية عن الشعوب المتقدمة.

إن إلقاء نظرة فاحصة على عالم اليوم سوف تظهر بوضوح بالغ أن الجماعات والشعوب والأمم الأقل علما وثقافة ووعيا من النواحي الاجتماعية والسياسية هي الأكثر فقرا وحاجة وجمودا،. كما يُلاحظ أيضا أن الشعوب الأقل علما وثقافة هي شعوب تعاني من غياب الحريات العامة وضعف فرص التقدم وتراجع العدالة الاجتماعية.

وحتى على المستوى الفردي، يُلاحظ أن الشخص الذي يتمتع بقدر كبير من العلم والمعرفة والثقافة يكون عادة أكثر وعيا بحقوقه واقدر على المطالبة بها والحصول عليها، وتتوفر له إمكانيات عمل وفرص غير عادية ، كما تمنحه مرونة كبيرة للهجرة إلى الخارج .

إن ارتباط التقدم الاقتصادي وإمكانيات التحرر بالنسبة لكافة نواحي الحياة بالمستوى العلمي والتراكم التكنولوجي والنشاط الثقافي في المجتمع، يجعل بالإمكان الجزم بأن «الجهل يعكس فقرا وظلما، بينما يعكس الثراء علما وسلطة». وهنا لا بد من الإشارة بسرعة إلى أن الثراء الناجم عن توفر العلم والقوة لدى البعض لا يعكس عدلا اجتماعيا.

قال فيديريكو مايور المدير العام السابق لمنظمة اليونسكو أن عالم الأميين هو نفسه عالم الجياع والعاطلين عن العمل.. إنه عالم أولئك الناس الذين ليس لديهم آفاق مستقبلية. وعلى الرغم من أنه بالإمكان توفير بعض الطعام للجياع وبعض الدخل للعاطلين عن العمل، إلا أنه ليس للأميين من مستقبل في المستقبل.

ويعود السبب في تضاؤل فرص الجهلاء والفقراء في حياة منتجة كريمة إلى ارتباط الثروة بالمعرفة من ناحية، وتزايد احتياجات العملية الاقتصادية الحديثة للعلم والمعرفة التكنولوجية من ناحية ثانية، ولتزايد حدة المنافسة المؤسسة على المعرفة والتكنولوجيا بين الشركات والدول من ناحية أخرى.

حيث يقوم الاقتصاد المعرفي المهيمن على العالم على إنتاج المعرفة وتخزينها وتحليلها وتسويقها واستخدامها في إدارة كافة شؤون الحياة. الأمية لا تعني أمية القراءة والكتابة فقط، بل وتشمل أيضا «الأمية الثقافية» التي تتفشى في البلاد العربية كالنار في الهشيم.

بناء على ما تقدم يمكن القول ان المستقبل الذي بدأت ملامحه تتضح منذ بدايات القرن الحادي والعشرين لن يشهد وجود فقراء وأثرياء بالمعنى التقليدي المتعارف عليه، بل سيشهد جهلاء ومتعلمين. الشعوب والجماعات التي تعاني من الجهل وانتشار الأمية سوف تعيش حياتها فقيرة ومضطهدة وتابعة للجماعات والشعوب المتعلمة الثرية، حتى وإن توفرت لديها موارد طبيعية كثيرة.

وفي المقابل، سوف تعيش الشعوب والجماعات المسلحة بسلاح العلم والمعرفة حياة رخاء وحرية تمكنها من قيادة الغير من الشعوب وتحديد مصائر الكثيرين من الفقراء والجهلاء. وهناك شعوب غنية بثرواتها الطبيعية مثل نيجيريا وفنزويلا بقيت فقيرة وعاجزة عن اللحاق بالعصر.

بينما استطاعت شعوب فقيرة بثرواتها الطبيعية مثل سنغافورة وتايوان وكوريا الجنوبية واليابان استخدام العلم والمعرفة وسيلة لتحقيق التقدم وتكوين ثروات كبيرة والإسهام في قيادة المسيرة الحضارية الإنسانية.

professorrabie@ymoc.oo