وأخيراً فرجت!

قبل نهاية عام 2008 سيكون الحل النهائي لقضية الشعب الفلسطيني قد تحقق تمهيداً لقيام الدولة الفلسطينية ذات السيادة الكاملة. هكذا يبشرنا رئيس السلطة الفلسطينية محمود أبو مازن. هل هي توقعات أم تقديرات أم أحلام؟ إنها ليست هذا أو ذاك. وإذن إن لم نقل إنها إشارة تضليلية فماذا نقول؟

فلنرجع إلى السوابق

في عام 1993 جرى التوقيع على اتفاق أوسلو. ومن المعلوم أن الاتفاق نص على قيام مرحلة حكم ذاتي على مدى خمس سنوات تنتهي إلى عملية تفاوضية بشأن «الوضع النهائي». تأسيساً على هذا النص كان مقدراً أن تقوم الدولة الفلسطينية بحلول عام 2000. لكن عوضاً عن ذلك وصلت القضية إلى طريق مسدود حتى اليوم مع توالي حلقات مسلسل المماطلة الإسرائيلي ـ الأميركي.

المسلسل يتخذ أشكالاً متنوعة أبرزها خدعة إرسال مبعوثين أميركيين إلى المنطقة بغرض إيهام الفلسطينيين بأن الأمور تتحرك صوب هدف الدولة الفلسطينية. جاء السفير دينيس روس مدشناً رحلات مكوكية متسلسلة لمقابلة القيادات الإسرائيلية والفلسطينية. وبعده تسلم المهمة السفير وليام بيرنز. وأخيراً تولت الأمر وزيرة الخارجية الأميركية بنفسها..

السيدة كوندوليزا رايس. وعلى طول الخط كان جوهر المهمة واضحاً: ممارسة ضغوط على القيادة الفلسطينية باسم الوساطة الحيادية النزيهة لحمل هذه القيادة على التنازل عن الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني بطريقة التقسيط.

أما الهدف الأكبر فقد كان ـ ولا يزال ـ تمكين إسرائيل من شراء الوقت لخلق وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية المحتلة، بحيث يستحيل عملياً إنشاء دولة فلسطينية حقيقية وقابلة للحياة. من أبرز هذه الوقائع إقامة المزيد من المستوطنات اليهودية في الضفة والتوسع في المستوطنات القائمة ومحاصرة المدن والقرى الفلسطينية بطرق التفافية ونقاط عسكرية مستديمة وإقامة جدار فاصل يشق أراضي الضفة من شمالها إلى جنوبها مشكلاً خطاً حدودياً جداً لرقعة الدولة الإسرائيلية.

على أساس هذا النهج ابتدعت «اللجنة الرباعية الدولية» التي بدورها ابتدعت «خريطة الطريق» لتكون «أوسلو» جديدة. فقد جعل مشروع الخريطة قيام الدولة الفلسطينية مرتهناً إلى شرطين: أولاً أن تكون دولة ذات حدود مؤقتة إلى حين توصل الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني إلى حلول لمشاكل «الوضع النهائي». وثانياً أن تقوم السلطة الفلسطينية بتصفية فصائل المقاومة واستئصالها بصورة حاسمة ونهائية.

وفي هذه الأثناء اتخذ مسلسل المماطلة الإسرائيلية الأميركية منحى آخر لشراء المزيد من الوقت وهو ترديد مقولة إنه لا يوجد شريك فلسطيني مؤهل للتفاوض مع القيادة الإسرائيلية. والتأهيل المطلوب في هذه الحالة هو أن تقضي القيادة الفلسطينية الرسمية على «الإرهاب» ـ أي المقاومة الوطنية المسلحة ـ. انطبق هذا كلياً على ياسر عرفات بقدر ما انطبق جزئياً على أبو مازن.

من ناحية أخرى كان الإيعاز الأميركي إلى أطراف عربية لتنظم مسلسل حوارات بين قادة الفصائل الفلسطينية ـ أيضاً من قبيل تمكين إسرائيل من كسب المزيد من الوقت ـ. الآن يبرز أحدث ابتكار لنهج المماطلة، مما يتجسد في المشروع الأميركي لعقد مؤتمر «دولي» في الولايات المتحدة. ووفقاً لسيناريو المشروع يتفاوض الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي من أجل التوصل إلى «وثيقة مشتركة».

ثم ترفع الوثيقة إلى المؤتمر «الدولي». لا لمناقشتها وإنما «لمباركتها». وبعد انفضاض المؤتمر يدخل الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي في عملية تفاوضية «تفصيلية» تتواصل إلى الأبد.. إذ ليس لها أمد محدد. مع ذلك فإن أبو مازن متفائل باقتراب الفرج، إنه تفاؤل عجيب، وهذا أقل ما يمكن أن يقال عنه.