دعوة المنسق الأعلى للسياسة الخارجية والأمن، في الاتحاد الأوروبي، خافيير سولانا؛ إلى نظام عالمي أكثر توازنا وقطبية، تأتي لتضع النقاط على حروف الخلل المستبد بالساحة الدولية وأهميتها أنها أوروبية. صحيح أنها ليست الأولى. سبق للرئيس الفرنسي السابق، جاك شيراك، أن تحدث عن الحاجة إلى عالم «متعدد الأقطاب».

لكن صدور مثل هذا الكلام اليوم من سولانا بالذات؛ يعطيه، بحكم موقعه؛ صدى أوسع وصدقية أعمق، فهو يعكس المناخ الأوروبي السائد؛ الذي يفيد بأن الاستئثار أو الانفراد الأميركي بالقرار، على هذه الساحة؛ بات مصدر تأفف وعدم ارتياح؛ وبالتالي باتت المطالبة واجبة بالتخلي عنه لصالح التوازن والمشاركة، في هذا المجال.

المنسق الأعلى كان واضحاً في التشخيص، في مقالته التي تنشرها مجلة «عالم أوروبا»، يقول: إن واشنطن صارت أقل رغبة في البحث والتشاور مع البلدان الأخرى. ويرى، تبعاً لذلك أن هناك ضرورة لإعادة النظر في النظام الدولي الراهن المبني حول واشنطن وحلفائها الغربيين.

والبديل يتمثل في «انخراط الولايات المتحدة بفاعلية أكثر؛ في الشؤون الدولية؛ وانضمام قوى ثقيلة الوزن إلى عملية التفاعل هذه. أن يصل التبرم الأوروبي من أداء إدارة بوش في مجال السياسة الخارجية إلى حد النقد العلني الصريح ومن جانب الحليف الأوروبي؛ فمعنى ذلك أن الكيل قد طفح، حتى مع أقرب المقربين من عاصمة القرار.

ليس ذلك فحسب، بل لابد وأن تكون المخاوف الأوروبية من استمرار واشنطن في هذا النهج قد بلغت درجة تستوجب الحديث بلغة التحذير؛ ولو المبطن، كما إنه يعبر عن إحساس بأن الخسائر التي راكمها تفرد القطب الأوحد باتت لا تطاق ولا يجوز السكوت عنها. على الأقل لتسجيل موقف. خاصة وأن الإدارة الأميركية لم يصدر عنها ما يشير إلى استعدادها لإعادة النظر في مقاربتها للمشكلات كما للعلاقات الدولية.

على العكس هي متشبثة وبإصرار بخطها القائم، على رفض أسلوب الحوار والاعتماد أساساً على خيار القوة؛ ناهيك عن القفز على الأمم المتحدة. والقائمة طويلة، من حرب العراق إلى الملف النووي الإيراني؛ وأخيراً لا آخراً، مشروع الدرع الصاروخية التي تنوي واشنطن نشرها في بولندا والتشيك والتي أثارت حفيظة موسكو وتكاد تشعل فتيل حرب باردة جديدة، بين العاصمتين اللدودتين.

وطبعاً يأتي في هذا السياق التعطيل الذي فرضته إدارة الرئيس بوش على حركة ومهمة اللجنة الرباعية الدولية؛ بخصوص أزمة المنطقة، لأن إسرائيل ليست جاهزة ولا تريد السلام مع الفلسطينيين ولا إقامة الدولة الفلسطينية وما يتصل بذلك من موجبات والتزامات. فواشنطن لا تتشاور، خاصة في قضايا وملفات الشرق الأوسط إلا مع تل أبيب.

وحتى في علاقتها مع الأوروبيين يطغى طابع الإملاء وإلى حد بعيد. أو التجاهل. وكان ذلك جلياً، وبشكل خاص، في حرب العراق. لكن الكلفة كانت كبيرة، الضرر لحق بالجميع ولا تخفي أوروبا اليوم خشيتها من تكرار الاندفاع نحو خيار القوة في تعاطي واشنطن مع النووي الإيراني. وهي لا تنفك عن التحذير من المغامرة مرة ثانية.

سولانا قرع جرس الإنذار، في كلامه عن التمادي في نهج التفرد. وهو على حق في دعوته لتوسيع رقعة المشاركة الدولية وتعدد أقطابها. ففي ذلك ضمان للسلام وحماية للوضع الدولي من ويلات ركوب الرأس الحامي.