لم يعد يخفى على أحد أن هناك محاولات تقسيميه جديدة لإعادة رسم الخرائط لدول عربية وإسلامية في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير الصهيوني الأميركي بإعادة التكوين بالفك والتركيب على أسس عنصرية وطائفية ومذهبية إدراكا أن مزيدا من التفتيت لهذه الدول يساوى مزيدا من ضعف المناعة والمقاومة مما يعنى مزيدا من القوة لأصحاب المشروع، ومزيدا من القابلية للتبعية والخضوع للسياسات الشريرة على حساب المبادئ والمصالح الوطنية والقومية.

بل أصبح مكشوفا للجميع أن هناك الآن «فيتو» صهيوني أميركي على أي مشروع اتحادي أو وحدوي لمنطقة هي في الأصل واحدة قبل أن يمزقها المستعمرون الإنجليز والفرنسيون إلى دول، وهذا الفيتو المسلح بالقوة لم يعد يكتفي بالاعتراض على أي اتحاد أو حتى تضامن عربي أو إسلامي بل اتجه مع وراثته للنفوذ الإنجليزي والفرنسي في الشرق إلى محاولة تمزيق أي نوع من الاتحاد الوطني.

ولا يسمح بنمو أية قوة وطنية إقليمية عربية أو إسلامية،علميا أو تكنولوجيا أو اقتصاديا وبالتالي سياسيا وعسكريا، لإحداث الفراغ في هذه المنطقة بما يسمح للمشاريع الاستعمارية بطبعتها وطبيعتها الجديدة بالتمدد فيه وذلك لإبقاء إسرائيل هي الكيان الأقوى مما حوله، ولضمان تحقيق الهيمنة الأميركية الراعية لها على هذه المنطقة الحضارية والإستراتيجية والنفطية الهامة كمدخل لتحقيق «مشروع القرن الأميركي» للهيمنة على العالم.

ولهذا تتجه محاولات الإنهاك الاقتصادي، والحصار السياسي، وإثارة الفتن والاضطرابات العرقية والدينية والسياسية إلى الدول الكبيرة مساحة أو سكانا أو وزنا استراتيجيا والدول الصغيرة التى لا تقبل الخضوع لسياسات الهيمنة، تحت دعاوى مختلفة وشعارات براقة تخفى وراءها أجندات تستهدف في النهاية إلا ضعاف بالإنهاك أو بالتقسيم.

والسيطرة بكل وسائل الاختراق والتدخل بالقوة الناعمة حينا ثقافياً وإعلامياً واقتصادياً، وبالضغوط السياسية وبالقوة العسكرية الخشنة الفجة أحيانا.

شهدنا ذلك بأوضح مثال مازالت تجرى فصوله المأساوية الدامية أمامنا مرئية ومقروءة ومسموعة في فلسطين والعراق والصومال، وعلى الأرض السودانية نموذج واضح لهذه المخططات التقسيمية الشريرة.

فالعديد من المشاهد على مدى نصف القرن الأخير منذ استقلاله عن مصر عام 56 وحتى اليوم من جنوبه إلى شماله ومن غربه إلى شرقه تشير كلها إلى استمرار مسلسلات التمرد الساعية إلى محاولات التقسيم بتشجيع حركات الانفصال تحت دعاوى مختلفة، عبر سلسلة من الحروب الأهلية المدعومة غربيا من خلال أطراف إقليمية تابعة للقطب الأوحد.

وتستمر المحاولات والمناورات المكشوفة لضرب وحدة أراضى الوطن السوداني بمكوناته الثرية العربية والإفريقية والإسلامية والمسيحية، وذلك بدعم الخلافات والتوترات بين قواه الوطنية، ومحاولة وضع أفريقيته في مواجهة عروبته.

ووضع العروبة والأفرقة في مواجهة الإسلام، فما إن تطفأ نيران واحدة في الجنوب بمعاهدة «نيفاشا» سرعان ما تند لع في الغرب، وما أن تلوح في الأفق نهاية لها في «أبوجا» حتى تتأهب للتفجر في الشرق في الطريق إلى «أسمرة» للبحث عن حل.

وفيما هدأت جبهات الجنوب والشرق وبقى غرب السودان وحده متفجرا، وبينما تستعد الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي للتوجه بالأطراف المتنازعة في دارفور إلى مدينة «سرت» الليبية لعقد المؤتمر الدولي لسلام دارفور لإنهاء النزاع في الغرب ليعم الوفاق والسلام والوحدة الوطنية ربوع السودان، خرجت علينا «الجبهة الشعبية لتحرير السودان» قبل موعد المؤتمر بأيام بتصريحات وإجراءات لا تبشر بخير!

إن ما يجرى من مناورات وضغوطات وعقوبات وتدخلات دولية في السودان للعب بتوظيف التمايزات والخلافات الحزبية السياسية والعرقية والدينية والمناطقية لإثارة الفتن الأهلية بهدف التقسيم للسيطرة على مكامن الثروة النفطية في الجنوب السوداني وثروة اليورانيوم في الغرب لتحقيق مصالح غير سودانية على مدى العقود الخمسة الماضية هو أشبه بلعبة شطرنج بين أصحاب المصالح الدولية المتشابكة من قوى النفوذ الاستعماري القديم والجديد على رقعة الشطرنج السودانية لابد من وقفها.

mamdoh77t@hotmail.com