تقع للإنسان في بعض الأحيان مفارقات لها دلالتها وأثرها الواضح، بحيث يشعر بأنها لم تحدث له من دون أن يكون لها معنى أو تكون لها فكرة تستحق أن يقف عندها ويتبصر بها. إنها في هذه الحالة تشبه لغة الإشارات التي يحدثنا عنها باولو كويلو في رواياته.

وبخاصة رواية الكيميائي، فهي تأتي بمثابة المنبّه الخارجي الذي يلفت انتابه الإنسان إلى شيء قد يكون غفل عنه أو تناساه، وهو شيء يستحق أن يذكر أو أن يؤخذ بالاعتبار، خاصة في حالات الشك وعدم اليقين وفقدان الثقة، أو في حالات الإحباط واليأس التي قد تنتابه وهو يتقلب في الحياة، ويسير في متاهاتها الكثيرة.

وقد حدث لي ما يشبه ذلك.

وإن لم يكن بالوضوح والحدّة التي يشير إليها كويلو، فقد كنت، قبل أيام، أقرأ في كتاب في النقد الأدبي عند العرب لأستاذ كبير، كنت بحاجة إلى استجلاء نقطة محددة لبحث أعدّه، ولكنني استرسلت في القراءة، ففاجأتني الأفكار التي تضمنها الكتاب، ومعظمها أفكار تُقَدَّم على أنها بديهية لا نقاش فيها ولا شك في مصداقيتها، مع أنّ الباحث لا يستند إلى دليل علمي في كل ما يقول.

ومع ذلك فقد كان يمضي بلغة الواثق يفسّر جوانب كثيرة تتصل بطبيعة التفكير العربي الذي كان يراه تفكيراً تجريدياً غير قادر على ملاحظة التفاصيل، وليس به قدرة على فهم الحس المأساوي للحياة، وهو تفكير يغلب عليه الثبات والتكرار، ويعزو ذلك إلى أسباب تثير العجب، من مثل حرارة الجوّ وطبيعة البيئة الصحراوية التي كان العربي يعيش فيها.

لم أحفل كثيراً بكل هذه التفاصيل، على الرغم من أنني لم أستطع أن أتحرر من الشعور بالضيق بسببها، ولم يكن شعوري هذا من تعصب أو هوى بقدر ما كان نابعاً من سؤال كبير حول مصداقية الألقاب التي نسبغها على الناس، ونصدقها، من دون أن يكون لها سند قوي في الواقع. ومع ذلك فقد آلمني ما وجدته من كلام يصف فيه العرب بالسطحية وعدم القدرة على التفكير العميق القادر على ملاحظة التفاصيل. فتولدت في نفسي أسئلة كثيرة حول هذا الموضوع، ولكنها أسئلة مفتوحة، تحتاج إلى تفرغ وبحث للإجابة عنها.

وبعد يومين من هذه الحادثة كنت أرتّب بعض الكتب في مكتبتي فوقعت عيني على كتاب أعارتني إيّاه صديقة لي منذ فترة، لكني لم أتمكن من قراءته، فتوقفت أنظر إليه، وانهمرت على رأسي كل الأفكار التي أقضّت مضجعي بسبب ما قرأته في كتاب ذلك الأستاذ الكبير. الكتاب هو «شمس العرب تسطع على الغرب» للمستشرقة الألمانية زيغريد هونكه.

لم أشعر إلا وأنا أترك ما بيدي وأقلب صفحات الكتاب. وعلى قدر الضيق الذي نال مني وأنا أقرأ كتاب ذلك الأستاذ الكبير، شعرت بالراحة وأنا أتتبع ما سطرتّه هذه المستشرقة من جمل الإعجاب والإكبار للعلماء العرب الذين كانوا السبب الأول في نقل أوربا التي كانت غارقة في الظلام من الليل البهيم إلى النهار الوضّاء المنير.

ومع إحساس الرضا الذي كان يتنامى في داخلي كان هناك صوت يئن ويتوجع على تلك الحضارة العظيمة التي غابت، ولم يعد لها ذكر أو حضور، حتى عند أبنائها الذين تنكر بعضهم لها، والذين رضي معظمهم بأن يبقوا منها على مسافة كبيرة بحيث لا يرونها ولا يعاينونها ولا يشغلهم أن تكون حاضرة في أذهانهم، حيّة في قلوبهم.

لقد كتبت هذه المستشرقة الألمانية عن الحضارة العربية بلغة الحب والإعزاز، حتى إنك لتتساءل عن مقدار التقدير الذي تكنّه للعرب ولحضارتهم التي سطعت في يوم من الأيام على الغرب فانتشلته من دهاليز الظلمة والجهل. وسأنقل للقارئ بعضا مما كتبته هذه المستشرقة، ليشاركني الشعور، ولنستعيد معا شيئا من حضارتنا التي غابت، ولم نحفل بها، ولم نتحمل مسؤولية استنهاضها وإحيائها. تقول هونكه في فصل بعنوان «عالم الفلك موسى وأولاده الثلاثة».

وهي تتحدث عن إنجازاتهم في علم الميكانيكا «وكان أكثر الأمور عجبا وغرابة هو تلك المخيّلة الخلاّقة المبدعة التي كانت لا تفتأ تقدم، بدون كلل أو ملل، الاختراعات العلمية ذات المنفعة البيتيّة التي تُحسد عليها كل ربّة بيت حديثة وكل فلاح ريفي، هذه العبقرية التي تقدم ألعابا ميكانيكية رائعة يجد فيها الطفل، حتى يومنا هذا، سلوته وفرحته، فهناك معلف لا يشرب منه إلا الحيوانات الصغيرة، وهناك خزّانات للحمّامات أو دِنان للخمر بوسع المرء أن يفرغ منها كميات معيّنة من السوائل يعقب كل كمية فترة استراحة..

وثمة آلات لتعيين كثافة السوائل، وتركيبات تبيح للأوعية أن تمتلئ تلقائيا كلما فرغت، وزجاجات تفرغ منها، حسب الحاجة، كميّات معينة من الماء والخمر، وقناديل ترتفع فيها الفتائل تلقائيا، ويصب فيها الزيت تلقائيا أيضا، ولا تطفئ الرياح ضوءها، وهناك آلة تحدث صوتا من ذاتها كلما ارتفع مستوى الماء إلى حد ما في الحقول، وأنواع عديدة من نافورات الماء التي كانت تظهر دوما صورا متعددة بمياهها الفوّارة».

وتقول، والحديث ما زال في علم الميكانيكا، زهذا وقد انفتحت آفاق عديدة أمام العرب، فصنعوا الساعات التي تسير على الماء وعلى الزئبق وعلى الشمع المشتعل، أو التي تعمل بواسطة الأثقال المختلفة.

فكان أن وجدوا الساعات الشمسية الدقّاقة التي كانت تعلن ساعة الغداء بصوت رنّان، والساعات المائية التي كانت تقذف كل ساعة كرة في قدح معدني وتدور حول محور تظهر فيه النجوم ورسومات من عالم الحيوان، أو ساعات تحمل فتحات منسّقة الواحدة تلو الأخرى في شكل نصف دائري.

وما تلبث أن تبرق كلما جاوزت الساعة الثانية عشرة ليلا، في حين يمرّ فوقها هلال وضّاء. وفي عام 807م قدّم عبد الله رسول هارون الرشيد إلى القيصر شارلمان، في مدينة آخن من أعمال ألمانية، ساعة من هذا النمط.

وقد علّق مؤرخ القيصر «إينارد» على هذا الحدث في يومياته قائلا: كانت ساعة من النحاس الأصفر مصنوعة بمهارة فنية مدهشة، وكانت تقيس مدّة اثنتي عشرة ساعة، وفي حين إتمامها لذلك، كانت تسقط إلى الأسفل اثنتي عشرة كرة صغيرة، محدثة لدى اصطدامها برقَاص معدني مثبت دويّا إيقاعيا جميلا، بالإضافة إلى عدد مماثل من الأفراس الصغيرة التي كلما دارت الساعة دورتها الكاملة قفزت من فتحة اثنتي عشرة بوابة وأغلقتها بقفزاتها هذه.

وهناك أشياء أخرى كثيرة تسترعي الانتباه في هذه الساعة تدعو إلى العجب والدهشة، وليس ثمة مجال لعدّها وتعلق هونكه قائلة نحن ما زلنا حتى يومنا هذا نقف فاغري الأفواه دهشة وإعجابا كلما رأينا ساعة كبيرة في مبنى البلدية، وما يرافق دقاتها من ظهور شخوص صغيرة متحركة، تذكرنا بما فعله العرب، في الماضي البعيد، حبا بالألعاب الميكانيكية وولعا بها.

ولا تكتفي هونكه بعلم الميكانيكا، بل تمضي تحدثنا عن الرياضيات والفلك والطب والجغرافيا، وسنكمل معها الاطلاع على حضارتنا التي نحن اليوم أشد ما نكون في حاجة إلى تعرّفها واكتشافها من جديد، لا من باب التباكي على الماضي، وإنما من باب الاستنهاض وإيقاظ الهمم، وليس أولى من ساعات العرب المدهشة أن توقظنا من سباتنا العميق.

جامعة الإمارات

moc.oohay@miharbiftL