من يملك الحق القانوني أو الأخلاقي لانتقاد تركيا؟
كافة الأطراف ذات العلاقة بالمشكلة الكردية وتداعياتها في تركيا ـ الولايات المتحدة وكردستان العراق والحكومة العراقية في بغداد ـ لا تملك مثل هذا الحق.
قوات التمرد الكردي في جنوب شرق تركيا التي يطلق عليها «حزب العمال الكردستاني» تتخذ لنفسها قواعد حدودية في الشمال العراقي تشن منها هجمات عبر الحدود على قوات الجيش التركي. ولمطاردتها يضطر الجيش التركي إلى عبور الخط الحدودي في مناطق جبلية شديدة الوعورة.
ولكن عوضاَ عن اتخاذ موقف عملي حازم ضد القوات الكردية المتمردة فإن الأطراف ذات العلاقة تتوجه إلى القيادة التركية بالنصح اللفظي ومطالبتها بتوخي «ضبط النفس».
لقد تضاعف تحدي التمرد الكردي المسلح ضد الجيش التركي منذ بروز منطقة كردستان في الشمال العراقي خلال السنوات الأربع الأخيرة كإقليم حكم ذاتي اسمياً وكدولة مستقلة فعلياً، ورغم ان حزب العمال الكردستاني أقام قواعده داخل أراض كردستان العراق بموافقة ورعاية من قادة الإقليم إلا أن هؤلاء القادة يدعون الآن أنهم لا يستطيعون تسليم القيادات المتمردة إلى الحكومة التركية.. بل ولا يستطيعون منع قواتهم من مواصلة هجماتهم على القوات التركية عبر الحدود.
وإجمالاً يبدو قادة أكراد العراق وكأنهم يتحدون تركيا، وهو تحد لم ينشأ من فراغ. فهؤلاء القادة يعتمدون على سند أميركي.. ويراهنون على حماية أميركية عند نهاية المطاف إذا تعرضت «دولة» كردستان إلى أي تهديد خارجي.
هذا الدعم الأميركي القوي ترجع بدايته إلى ما قبل الغزو الأميركي للعراق في عام 2003 حين أقامت الولايات المتحدة «منطقة حظر جوي» فوق أجواء عراق صدام لغرض( حماية الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب).
الآن ومن أجل استرضاء القادة الأكراد في الشمال العراقي فإن إدارة بوش ترفض ممارسة ضغط عليهم لحملهم على تصفية قواعد حزب العمال الكردستاني وهو أمر لا يخلو من مفارقة. ذلك ان حزب العمال الكردستاني مصنف منذ سنوات عديدة على القائمة الأميركية الرسمية للمنظمات «الإرهابية» لكن يبدو ان الاحتلال الأميركي للعراق أفرز ظرفاً جديداً تطلب من الولايات المتحدة خلق تحالف بين قادة الشيعة وقادة الأكراد العراقيين ضد المنظمات العراقية السنية.
وربما لهذا السبب تتردد حكومة العراق التي يغلب عليها الطابع الشيعي في اتخاذ موقف معاد لحزب العمال الكردستاني التركي حتى لا تغضب (حلفاءها) أكراد العراق. ورغم ان الحكومة العراقية وقعت اتفاقاً أمنياً مع الحكومة التركية موجهاً ضد القوات الكردية التركية المتمردة إلا أنها عاجزة عملياً على الوفاء بتعهدها لأنقرة ذلك ان الحكومة العراقية لا تستطيع الوفاء بمتطلبات أمنية حتى داخل العاصمة بغداد نفسها.
هذا الوضع قابل للاستثمار السياسي عربياً.. بهدف استقطاب تركيا بالكامل في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي لصالح العرب.
إننا الآن نشهد أزمة بنيوية في العلاقة التاريخية بين تركيا والولايات المتحدة.. وهي أزمة مرشحة بكل المؤشرات المرئية للتفاقم إلى حد القطيعة كلما ازدادت المشكلة الكردية تعقيداً، ولنعد إلى الأذهان ان الولايات المتحدة تريد لكردستان العراق ان يكون «إسرائيل» أخرى كقلعة معادية للعرب.. متحالفة استراتيجياً مع الدولة اليهودية.
فهل تحسن القيادات العربية ـ خاصة الفلسطينية ـ قراءة الوضع؟ وهل تتحرك بعد أن تحسن قراءته؟