مشروع الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي، الذي أطلقه خلال زيارته للمغرب تحت اسم «الاتحاد المتوسطي»؛ يستوقف في لحظته كما في صيغته. فهو يأتي ليضيف اسماً جديداً على قائمة طويلة من المشاريع والأطر والتصورات الخاصة بهذه المنطقة. منها ما خرج إلى حيز التعامل.
ومنها ما لم يبصر النور، لكن لا تزال سيرته متداولة؛ فضلاً عن الطموح لترجمته. كلها طلعت وجرى الترويج لها بزعم أنها جسور للعبور بالمنطقة نحو السلام والأمن؛ عبر تعزيز أواصر العلاقات بين دولها وشعوبها.
من مسار برشلونة إلى الشراكة المتوسطية؛ مروراً بالشرق الأوسط الكبير وانتهاء بطرح الرئيس ساركوزي. ما سبق منها على مشروع الرئيس الفرنسي بقي مجرد صياغات من دون أي إنجازات.
والسبب أنها كانت أقرب إلى محاولة وضع العربة أمام الحصان. أي محاولة لتحقيق التطبيع، كسبيل إلى بلوغ السلام وترسيخه في هذا المحيط؛ قبل التصدّي أولاً للأسباب التي حالت دون استتباب الأمن في ربوعه، كانت في حقيقة الأمر عملية دوران حول ما يشكل لبّ الإشكالات والعقبات وشرط الشروط لإزاحتها. وعنوان الموانع معروف.
لكن كل المبادرات من هذا النوع، إما تجاهلته وإما تعمّدت سلوك كل الطرقات باستثناء تلك التي تؤدي إليه. على هذه الخلفية يطلع الرئيس الفرنسي بمبادرته الجديدة؛ ويعلنها في اللحظة التي يلتقي فيها رئيس الحكومة أولمرت، معلناً أن أمن إسرائيل خط أحمر لا يتخلى عنه! ليس هذا فحسب بل يذهب إلى التحريض ضدّ عودة اللاجئين الفلسطينيين! ومن هذا الموقع دعا إلى عقد مؤتمر قمة، في يونيو المقبل، لإطلاق «الاتحاد» العتيد.
إما أن الرئيس اختار لحظة وصيغة غير موفقتين لإطلالة ساركوزية على المنطقة، أرادها أن تكون مختلفة ومتميزة، فلا كانت هذه ولا تلك، وإما أنه أراد العودة بالموقف الفرنسي إلى ما يفترق عن سياسة سلفه شيراك؛ بحيث يستحق معها لقب «نيكولاي بلير».
الشدّ على أيدي أولمرت في هذا الظرف وعشية «مؤتمر السلام» الموعود ـ ولو أن انعقاده لم يحسم بعد ـ وبهذه اللغة؛ لا يتفق والزعم بالبحث عن السلام. كان حرّياً بمن يريد اغتنام الفرصة الراهنة لإحلال السلم والأمن في المنطقة أن يبادر إلى لفت أولمرت إلى خطورة المنحى الذي تسلكه سياساته، على قضية السلام وعلى احتمالات التوصل إلى تسوية مع الشعب الفلسطيني، فالرئيس ساركوزي كان بإمكانه تذكير ضيفه، بصورة أو بأخرى.
بما درجت عليه السياسة الفرنسية منذ حين؛ حيال ما تقوم به إسرائيل من مواصلة مصادرتها للأراضي والمضي في توسعها الاستيطاني؛ ناهيك بحصارها المتواصل للمناطق الفلسطينية واجتياحاتها اليومية وما يرافقها من اغتيالات ومداهمات وإقامة الحواجز، التي جعلت حياة الناس جحيماً في الأراضي المحتلة.
تجاهل كل ذلك والتركيز على أمن إسرائيل ـ وكأنه في خطر، ليس فقط مغادرة لتقاليد فرنسية كان لها مساهمتها في تعزيز خطاب السلام؛ بل أيضاً هو شدّ أزر ودعم لأولمرت الذي تمادى في التهرب والتملص والتحايل على مستلزمات السلام. من حيث المبدأ لا اعتراض على مشاريع وصيغ التعاون المشترك في المنطقة.
لكن لذلك شروطه ومقدماته؛ وإلا كان مجرد إضافة كمية ومحاولة لاستمرار اللف والدوران حول الجوهر والأساس.
