صورة الأزمة السياسية اللبنانية لها إطار من أربعة أضلاع، الضلع اللبناني والعربي والإقليمي والغربي.. وفى داخل الإطار صورة مركبة لأربع أزمات هي الأزمة الطائفية، والأزمة الحكومية، والأزمة الرئاسية، والأزمة في الهوية.. إنها في الواقع أزمة رباعية، فهي كما وصفها الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى «أشبه ببناء ذي أربعة طوابق»، بلا أسقف تفصل بين طوابقها لغياب التوافق الوطني.
ولنعترف أن البحث عن حل حقيقي شامل لمجمل الأزمة اللبنانية لم يعد ممكنا الآن بعد أن رفضت الحلول الممكنة بفعل غياب التوافق الوطني بسبب تعارض الإرادات الحزبية وتداخل التأثيرات الدولية وغياب التوافقات العربية، وحضور المواجهات بين المشاريع الإقليمية والدولية، السورية الإيرانية ضد الصهيونية الأميركية.
وكان أفضل مشاريع الحل اللبناني اللبناني في حينه هو ما اقترحه الرئيس سليم الحص كمبادرة يطلقها الرئيس لحود لإعادة تشكيل المشهد السياسي اللبناني الشامل في ستة شهور، لكن عشرات الشهور قد فاتت، لكن الممكن الآن هو البحث عن أسلم الحلول بما يجنب لبنان التقسيم والاقتتال والخراب والفوضى الذي هو المطلوب صهيونيا وأميركيا ضمن الشرق الأوسطية «الجديدة» أو «الكبيرة».. لا فرق!
ولم يعد ممكنا الآن إلا التعامل مع الأزمة الرئاسية الحالية التي هي نتيجة للأزمة الرباعية الأصلية، وهى الأخرى رباعية الاحتمالات، الأول هو التوصل إلى توافق حول الرئيس بحكم خطورة النتائج المجهولة للا توافق، والثاني هو بقاء الأزمة على ما هي عليه من تمترس الأطراف وراء مطالبها ومواجهة التكاليف الباهظة للمواجهة بما في ذلك استمرار الرئيس في منصبه لحين التوصل إلى توافق، والثالث، هو انزلاق الموالاة إلى تعيين رئيس غير دستوري بالنصف زائد واحد، أو بإعلان الحكومة الحالية تسلمها السلطة تفسيرا لنص دستوري لكن ذلك لن يعترف به على أساس أنها مشكوك في شرعيتها الدستورية.
والرابع هو الرد بتسليم الرئيس سلطة الرئاسة لقائد الجيش اللواء ميشيل سليمان أو بقائه في الحكم لسد الفراغ الدستوري لحين التوصل إلى توافق مع تشكيل حكومة جديدة.
الرئيس برى يبشر الجميع بأن التوافق آت.. آت، لأن التوافق أمر حتمي باعتباره الاختيار الجبري الوحيد الممكن، ولأن أحدا لا يمكنه تحمل مسؤولية دفع لبنان إلى التقسيم أو الخراب والفوضى.
وهو لا يبشر بذلك من فراغ، فلربما تكون مشاوراته مع النائب الحريري رئيس الوزن الأكبر في قوى 14 آذار تؤشر لحلحلة في المواقف، خصوصا وأن التوافق هو محور المبادرة العربية، وربما يكون نجاح اللقاء بين وزيري الخارجية السعودي والإيراني يمثل إشارة أقوى، وأخيراً ربما لأن كلا من حزب الله وسوريا وإيران أعلنوا أنهم مع التوافق.
ولأن الخارجي لا يتمدد إلا في الفراغ الداخلي، ولأن الدولي لا يتمدد إلا في الفراغ الإقليمي، ولأن الإقليمي لا يتمدد إلا في الفراغ العربي، فإن التوافق الداخلي اللبناني هو البناء القادر لسد كل الفراغات، وحائط الصد الأقوى لكل التداخلات على خطوط الأزمة الرئاسية وبالتالي اللبنانية.
وهذا يعني أن الحل لابد أن يكون رباعيا أيضاً لكن أولا لبنانيا وثانيا عربيا وثالثا إقليميا ورابعا دوليا، بلبنان الوطن أولا قبل الطائفية والحزبية والفردية، وبلبنان العربي لا الغربي ثانيا، ولبنان النموذج للعيش المشترك في محيطه الإقليمي والدولي، بالحريات والالتزامات والانفتاح والإبداع والمشاركة لا الاستئثار وبالتوافق الديمقراطي بين كل ألوان الطيف السياسي والعرقي والديني والمذهبي.
الحل إذا هو في لبنان أولا وليس من خارج لبنان، اعتماداً على أبناء وأشقاء لبنان في محيطه العربي والإقليمي، وليس على الخبثاء الذين يلبسون ثوب الأصدقاء، فالذين ينحازون إلى عدو كل العرب، ويصنعون الأزمات بين العرب والعرب، وبين القوى الوط.