أثمرت الاتصالات الدولية والإقليمية والداخلية الهادفة إلى إيجاد تسوية لملف الانتخابات الرئاسية اللبنانية حدا أدنى من التواصل بين الفرقاء اللبنانيين.
وعلى الرغم من أن جلسة 23 أكتوبر الموعودة لم تحصل، فإن اللقاءات الثنائية بين الأقطاب المتصارعين وإعلان رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري تأجيل جلسة الانتخاب الرئاسية إلى الثاني عشر من نوفمبر المقبل أي إلى ما قبل اثني عشر يوما من موعد انتهاء المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس في 24 نوفمبر، أضفت أجواء إيجابية على البلاد، ذلك ان اللقاءات الثنائية التي جمعت النائب ميشال عون مع الرئيس أمين الجميل.
وتلك التي جمعت نائب رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع بعون بالإضافة إلى اللقاءات المتكررة بين النائب سعد الحريري والرئيس بري، شكلت خطوات عملية على طريق تحقيق التوافق أمكن وضعها في سياق الترجمة العملية لمبادرة البطريرك الماروني نصر الله صفير التي تجلت بتشكيل لجنة مسيحية - مسيحية للتوصل إلى التوافق.
وفي سياق حرص الرئيس بري على ترجمة مبادرته بلقاءاته التنسيقية المتكررة مع النائب الحريري. وإذ تصف القيادات السياسية المعنية بالاستحقاق الرئاسي هذه اللقاءات بالإيجابية، فإنها تؤكد ان البحث بين الأقطاب السياسيين استعرض العديد من أسماء المرشحين للرئاسة، وتركز على مرشحين من خارج قوى الأكثرية والمعارضة على حد سواء، وذلك بسبب إيمان الجميع بأن الرئيس التوافقي لا يمكن ان يكون تابعا لهذه الجهة أو تلك.
وفي سياق متصل باللقاءات بين بري والحريري، وضعت القيادات السياسية تريثهما في إعلان التوافق النهائي إلى رغبتهما في عدم إظهار الأمور بمظهر وكأن الزعماء المسلمين هم الذين يختارون الرئيس المسيحي، والإفساح في المجال أمام اللجنة التي شكلها البطريرك صفير لإيجاد تسوية لهذا الموضوع.
وهنا فإن القيادات السياسية تتساءل حول أسباب التصعيد اللافت لكل من رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط ورئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع اللذين يشددان في كل مناسبة على ضرورة ان يكون الرئيس من قوى الأكثرية.
إضافة إلى الهجمات السياسية العنيفة على حزب الله، إلا أن هذه القيادات تتوقف في المقابل أيضاً أمام التصعيد اللافت من قبل قيادات حزب الله التي تؤكد ان خيارات المعارضة في حال انتخاب رئيس بالنصف زائد واحد أصبحت جاهزة، وتطرح أكثر من علامة استفهام حول ما تصفه بتبادل الأدوار بين الحلفاء، سواء في الأكثرية أو المعارضة، بهدف رفع سقف شروطها لتحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية.
في هذا الوقت برزت إلى الواجهة الاتصالات السعودية - الفرنسية، والسعودية - الإيرانية، والأميركية - الفرنسية - السعودية الناشطة بهدف فرض التوافق على اسم الرئيس اللبناني الجديد، إلا ان القيادات السياسية تؤكد في المقابل ان ثمة توافقا أميركيا أوروبياً على إفساح المجال أمام الطرف الأوروبي ليحاول تحقيق هذا التوافق، وهو ما تجلى خلال الزيارة الأخيرة لوزراء خارجية فرنسا وايطاليا واسبانيا إلى لبنان والذين عقدوا لقاءات مكثفة مع الفرقاء كافة أثمرت الاتصالات واللقاءات الجانبية الإيجابية التي نشهدها اليوم.
وعلى الرغم مما تقدم فإن القيادات المعنية هذه تبدي تخوفها من إمكانية حصول عملية اغتيال في هذه المرحلة الدقيقة، الأمر الذي يمكن في حال حصوله ان يعيد خلط جميع الأوراق ويعيد الأمور إلى نقطة الصفر وفي سياق متصل بالمخاوف من عمل ما يعيد قلب الأوضاع، تتحدث القيادات اللبنانية عن ضغوط تهدف إلى وضع القوى الإقليمية أمام حتمية تمرير الاستحقاق الرئاسي اللبناني من دون تدخلات.
ومن هنا فإن المشهد السياسي اللبناني يبدو راهنا أمام مفترق طرق، بات طريق التفاؤل احد تشعباتها بعد ان كان غائبا نهائيا في الفترة الماضية.
أما الأخطر من كل ذلك فيتجلى بتأكيد القيادات السياسية ان التوافق على رئيس جديد للجمهورية وانتخابه، لن يشكل حلا للأزمة السياسية المتشعبة التي يتداخل فيها المحلي بالدولي والإقليمي بشكل يجعل الحلول شبه مستحيلة، معتبرة أن الاستحقاق الرئاسي ليس سوى محطة من المحطات.
مشيرة إلى ان موقع رئاسة الجمهورية ما بعد الطائف فقد الثقل الذي كان يتمتع به قبله، ومذكرة بأن هذا الثقل تحول إلى السلطة التنفيذية اي إلى مجلس الوزراء، وبالتالي فان أي تفاهم أو توافق يجب ان يكون على تشكيل الحكومة الأولى في العهد الجديد، وعلى الرغم من رفضها وصف موقفها بالمتشائم، ترى القيادات المذكورة ان المشكلة في لبنان تكمن في ان البلد غير مبني على أسس ثابتة.
مما يمكن ان يعرضه للاهتزازات في أي وقت وعند أول منعطف، ومن هذا المنطلق فإنها تبدي مخاوفها من احتمالات حدوث شروخ بين أبناء الصف الواحد أكثرية ومعارضة، ما قد يؤدي إلى نسف كل ما تم التوصل إليه من تفاهمات، وتحذر هذه القيادات من لجوء القوى الإقليمية إلى إسقاط الاستحقاق أو توظيفه للضغط على الداخل في سبيل إسقاط المحكمة الدولية والقرار 1559 في البيان الوزاري الموعود للحكومة الجديدة التي سوف تشكل بعد الانتخابات الرئاسية في حال نجاحها.
كاتب لبناني