تصاعد التوتر من جديد على الحدود بين العراق وتركيا، والهجمات المتكررة التي يتعرض لها الجيش التركي في المناطق الحدودية من قبل حزب العمال المنتمي للأقلية الكردية في تركيا، تطرح الكثير من التساؤلات حول التوقيت وحول الدوافع والأهداف، وبالتأكيد حول الجهة، أو الجهات، الدافعة والمستفيدة من إثارة أزمة جديدة وربما إشعال حرب أخرى في هذه المنطقة الملتهبة أصلا والتي تملؤها الصراعات والأزمات وتلفها من كل جنباتها.

مشكلة الأكراد في تركيا ليست جديدة، والحزب المطالب بدولة مستقلة للأكراد هناك بدأ نشاطه السياسي منذ أوائل السبعينات في القرن الماضي، وما لبث أن حمل السلاح ضد الدولة التركية في العقدين التاليين. لكن اعتقال زعيم الحزب عبد الله أوجلان عام 1999 اضعف قدراته السياسية وجمد نشاطه المسلح إلى حين، رغم بعض المناوشات المحدودة مع الجيش التركي بين فترة وأخرى.

استعادة الحزب لزمام المبادرة والمبادأة بالهجوم، وقيامه في الأسبوعين الأخيرين بهجمات قوية ومؤثرة راح ضحيتها أكثر من عشرين جنديا تركيا وأعلن الحزب عن أسر ثمانية جنود آخرين، يدل على أن الحزب اكتسب عوامل قوة جديدة مكنته من تحقيق هذه «الانجازات».

فمن أين جاء الدعم لهذا الحزب الذي يعتبر «منظمة إرهابية» على لوائح الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، فضلا عن تركيا وإيران وسوريا؟

لقد بات من المعروف أن مقاتلي الحزب ينطلقون من قواعد لهم في شمال العراق حيث يتمتعون بقدر كبير من الأمان وربما الحماية، في حين تعتبر حكومة إقليم كردستان العراقية حليفا قويا للولايات المتحدة الأميركية التي تحتل قواتها كامل الأراضي العراقية، وفي الوقت ذاته فان تركيا حليف تقليدي قوي لأميركا، فكيف يتعرض الأتراك لمثل هذه الهجمات من داخل الأراضي التي يسيطر عليها حليفهم ومن جهة يعتبرها هذا الحليف «إرهابية»؟

وهل المستهدف هو الدولة التركية بشكل عام؟ أم أن النموذج «الديمقراطي الإسلامي» الذي تحاول تركيا بناءه وتجذيره في المنطقة هو الهدف الأساسي المقصود؟

فالحكومة التركية الحالية المنتمية إلى «حزب العدالة والتنمية» أظهرت الكثير من المرونة تجاه الأكراد الأتراك ومطالبهم السياسية والثقافية مقارنة بالحكومات التركية السابقة، والرئيس الجديد عبد الله غول الذي عارضت المؤسسة العسكرية التركية ترشيحه للرئاسة، بادر فور انتخابه رئيسا نهاية أغسطس الماضي إلى زيارة مناطق الأكراد في تركيا وأبدى تفهما لمعالجة قضيتهم كما لم يفعل أي رئيس تركي آخر.

لذلك يبدو تصعيد المواجهة العسكرية ضد هذه الحكومة الأكثر مرونة، أو الأقل تشددا، تجاه الأكراد في تركيا، أمرا مثيرا للتساؤل.

إن قيام حكم ديمقراطي ذي بعد إسلامي في المنطقة، سيغير الكثير من المفاهيم التي دأبت جهات عديدة على بثها ومحاولة ترسيخها، وبالتالي سيضطر تلك الجهات المعلومة لدى الكثيرين إلى تغيير أهدافها وخططها لإعادة رسم خرائط المنطقة من جديد.

ولعلنا نتذكر الخريطة التي وضعها الجنرال الأميركي المتقاعد رالف بيتر باعتبارها «خارطة جديدة للشرق الأوسط الجديد وفقا للرؤية الأميركية» وأرفقها مع مقال مثير بعنوان «حدود الدم» نشرته إحدى المجلات العسكرية الأميركية قبل أشهر معدودة. ولا شك أن مثل هذه الخريطة الدموية لن تتحقق إلا بسفك المزيد من دماء أبناء المنطقة، وهو ما لا يمكن تحقيقه في ظل أنظمة ديمقراطية عادلة غايتها تنمية أوطانها وتحقيق الأمن والاستقرار لشعوبها.

لكن تأجيج الصراعات والحروب سيدفع حتما إلى تعزيز دور العسكريين في صنع القرارات وتحديد السياسات والأولويات في الدول المعنية، وبالتالي قد يغري هؤلاء العسكريين، عاجلا أو آجلا، بالاستيلاء على السلطة وإلغاء أي إصلاحات أو محاولات للإصلاح يتم القيام بها أو التخطيط لها مستقبلا. وتاريخ المؤسسة العسكرية في تركيا معروف جيدا في هذا المجال.

غير أن الأكثر خطورة هو أن تتحول المنطقة كلها، من شواطئ المحيط الأطلسي وحتى حدود بحر قزوين، إلى ساحة حرب شاملة بين المذاهب والطوائف والأعراق، لا تستثني بلدا ولا تبقي أحدا، ويكون العرب فيها هم الضحية الأولى والأكثر تضررا، لكنهم ليسوا الوحيدين حتما.

فكل شعوب المنطقة أيا كانوا، أقلية أو أكثرية في هذا البلد أو ذاك، لا مصلحة لهم في الاحتراب والإفناء الذاتي، ولا مبرر لذلك أصلا بعد أن جربت هذه الشعوب واقع التعايش والانسجام، بل والتمازج، على مدى تاريخها الممتد آلاف السنين.

أما المظالم والانتهاكات التي ترتكبها بعض الحكومات ضد شعوبها مجتمعة أو مشتتة، فهي خطر يهدد الجميع، وواجب الجميع ومصلحتهم أن يواجهوها مجتمعين.. لا متصارعين أو مقسمين.