على شواطئ العالم الجديد، بعيدا عن العالم القديم الذي يموج بصراعات أممه وتناقضاتها وأطماعها وثاراتها، استغلت الولايات المتحدة الأميركية عزلتها الجغرافية لبناء كيان جديد يعتمد على القوة الاقتصادية، ثم تحويل هذه القوة إلى قوة عسكرية واستخباراتية بنهاية الحرب العالمية الأولى، وكانت الحرب العالمية الثانية فرصة تاريخية لاختبار تلك القوة واستعراض متانة عضلاتها، والتمهيد للانتقال إلى مرحلة القوة السياسية والتوسعية.

وعلى مدى نحو من خمسين سنة منذ انقشاع دخان الحرب العالمية الثانية، وطدت أميركا أركان مُلكها في الأرض، وكرست مجدها كإمبراطورية تعتمد في بقاء تفوقها وبسط نفوذها وتحقيق تطلعها إلى أن يكون القرن الحادي والعشرون أميركيا كما كان القرن الذي قبله أميركيا على:

أولا: تفوق القوة العسكرية من حيث العدة والعتاد بحجم إنفاق سنوي خرافي يعادل تقريبا ما تنفقه أمم الأرض قاطبة. (أكثر من 600 مليار دولار)، والمتفوقة من حيث النوعية بتطوير أشد الأسلحة فتكا وأشملها تدميرا بإنفاق يفوق ما ينفقه العالم مجتمعا بعدة مرات (يصل إلى 75 مليار دولار)، والمتفوقة من حيث الانتشار برا وبحرا وجوا بل وفضاء خارجيا أيضا.

ثانيا: تفوق القوة الاقتصادية بل والتحكم في الاقتصادات الأخرى ومعدلات النمو المسموح بتحقيقها من خلال التأثير الخارق على أسواق النفط، والنشاط المصرفي، والشركات الأميركية العابرة للقارات، وتحكم الدولار الأميركي (الورقة الخضراء التي لا تملك غطاء يواري سوأتها إلا العضلات الأميركية) في أسواق المال والتبادل التجاري العالمي، لدرجة أن دولة مثل الصين تملك أحد أضخم الاحتياطيات من أكوام تلك الورقة.

ثالثا: استقطاب الولاء السياسي العالمي ممثلا في مستعمراتها من الدول الأعضاء في هيئة الأمم، وإضفاء الشرعية الدولية على تصرفاتها بتسيير هيئة الأمم من خلال حشد تأييد أولئك الحلفاء.

وهذه الدول الحليفة بعضها يتمتع بالامكانات الاقتصادية (نفط أو يورانيوم، أو غلال كالقهوة والموز)، أو الاستراتيجية (قواعد عسكرية أو تحكم في الممرات الحيوية)، أو ذات الثقل السياسي المؤثر في التوازنات الإقليمية والعالمية؛ القاسم المشترك في هذه الدول أن حكوماتها تسيّرها الإدارة الأميركية، وليس لشعوبها تأثير يذكر في اللعبة السياسية.

رابعا: استثمار هاجس الخوف الإيجابي من خلال إخضاع الأمة الأميركية لمخاوف التهديد (أو العدو أو التحدي) الخارجي، وهذا التهديد أو العدو الذي تلعب الآلة الإعلامية الأميركية دورا هائلا في صناعته، واللعب بوتر الخيال العلمي والسينمائي هو الذي يحرك العواطف وبالتالي يشكل التوجهات ويجيّش التعاطف أو التأييد لمواقف الحكومة وممارساتها ولو كانت بادية القذارة.

هذه الاستراتيجيات وبهذه الظروف المواتية تجعل التحرك الأميركي سواء في ميادين الحرب أو على طاولات الدبلوماسية سلسة ومضمونة النتائج ومعدومة المقاومة إلا بالقدر الذي يتفق عليه مسبقا ذرّا للرماد في العيون، وما يؤكد هذا أن الكثير من الحروب التي أشعلتها أميركا كانت بلا مسوّغات أو معطيات منطقية، ولم تكن من أجل الحرب في حد ذاتها، بل كان بإمكان أميركا الوصول إلى أقصى غاياتها بعملية انقلاب عسكري يدبره عملاؤها أو أجهزة مخابراتها.

فالحرب الأميركية على أفغانستان لم تكن لكسر شوكة طالبان، إذ لم تكن لهم شوكة حتى تُكسر، وسلاحهم الأميركي الذي قاتلوا به الروس في الثمانينات وواجهوا به الأميركان في بداية الألفية الثالثة، كان مهترئا من الصدأ، ولم يكن ممكنا ـ في رأي أي محلل عسكري مبتدئ ـ أن يصطادوا به بطّا برّيا وليس أن يواجهوا به واحدة من أعتى القوى التي عرفها التاريخ.

وصدام حسين لم يكن زعيما سياسيا محنكا، ولا حتى قائدا عسكريا فذا يستظل بغطاء قوة عسكرية هائلة حتى تشعل أميركا حربا من أجل الإطاحة به، بل كان عميلا أميركيا وسفاحا لا يجيد إلا قمع العراقيين وإهدار ثروتهم؛ ولكن تلك الحروب أثبتت بالتجربة الحية أن القدرة الأميركية على المناورة والتحرك السياسي والعسكري في أي مكان في العالم أصبحت أسهل من صياغة خطاب رئاسي، وأن المجتمع الدولي غارق في سباته لدرجة الموت السريري، أو ميّت هلعا، أو مشغول بعدّ ثمن سكوته.

ولكي لا ينقلب السحر الأميركي يوما ما على الساحر، وقبل أن تنكشف حقيقة العدو الذي صنعته أميركا بيديها مما تسميه الإرهاب العالمي ثم طاردته حتى في المكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني، وقبل أن يتيقن العالم من أن الذين أزهقت أميركا أرواحهم أثناء مطاردته كانوا أبرياء، وأن مليارات المليارات من الدولارات من عرق دافعي الضرائب أو من خزائن الدول الحليفة قد ذهبت مهرا لهذا المجد المجنون.

ولأن أميركا لا تجهل أن معطيات التاريخ لا بد وأن تحمل في طياتها حركات وردّات أفعال مضادة ومقاومة وناقمة على كل ما هو أميركي، وهي آتية طال الزمان أم قصُر، لاسيما وأن الشعوب التي سكرت اليوم على خمر الوعود الأميركية بدغدغة أمنيات الديمقراطية ولعق عسل الرفاهية، وتركت لها الحبل على غاربه لتصنع بمواردها الاقتصادية وثقافتها وروابطها السياسية والاجتماعية ما تشاء، ستفيق غدا من أوهامها على أمر مستنقعات التخلف والتبعية والديكتاتورية التي لا تزال غارقة فيها إلى أذنيها.

وقبل أن تنفجر مشاعر الكراهية في وجهها، وقبل أن تنشط حركات مقاومة وردّات أفعال مضادة حقيقية ومستقلة، ستواجه أميركا هذه الأزمة بنفس السيناريو الذي استخدمته في الحركات التحررية الأولى وأوهمت الشعوب (وليس الحكومات) بإشعال ثوراتها وحركاتها التحررية الأولى ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي، ولكن مع بعض الفوارق والمساحيق التجميلية، فأولا ستكون الحركات التحررية هذه المرة ضد أميركا نفسها وليست ضد أي مستعمر آخر بعدما أوشك المستعمرون العسكريون على الانقراض.

وثانيا فإن تصميم وبناء هذه الحركات التحررية سيكون بيد مهندسين وخبراء أميركيين، ولن تحتاج إلى البحث عن حركات تحررية حرة ونزيهة حتى تعمل على اختراقها وزرع عملائها من بينهم، لأن من سيقود هذه الحركات هم مجموعة ممن ستنتقيهم من الطوابير الخامسة من حاشيات وبطانات الأنظمة الحاكمة الحالية وممن تشرّبوا العشق الأميركي إلى النخاع، حيث ستصنع منهم زعماء وأبطالا قوميين، وسينتهي الأمر إلى اعتلائهم عروش الحكم بعد انقلابات أو ثورات سينمائية (على طريقة كل أبطال الحركات التحررية الأولى) أو ربما بعد حروب محدودة ضد القواعد الأميركية في بلادهم (على طريقة أتاتورك).

وثالثا ستندلع هذه الانقلابات أو الثورات أو الحروب برغبة أميركية وتكتيك أميركي بحت، وفي التوقيت الذي يناسب أميركا وتختاره بملء إرادتها وليس بإرادة الشعوب التي لن تكون قد أفاقت بعد من ثمالتها من الولع بكل ما هو أميركي، وإن أفاقت فإنها لن تكون قادرة على التنفس لأن أعناقها ستكون لا تزال تحت أحذية حكوماتها الحارسة للمصالح الأميركية.

وأخيرا ستعلن تلك الدول استقلالها المزيف، وستحتفل به كالعادة في نفس الموعد من كل سنة ميلادية، ولكنه سيكون استقلالا مختلفا جدا عن سابقه، لأن الاستقلال السابق كان مزدوج الولاء، إما بريطاني ـ أميركي أو فرنسي ـ أميركي أو روسي ـ أميركي، أما هذه المرة فسيكون أميركيا أبا وأما.

ولكن، هل سيضمن ذلك بقاء القرن الحالي أميركيا إلى نهايته؟ وهل ستؤتي الحركات التحررية ذات العلامة التجارية الأميركية ثمارها؟

يبدو ـ والله أعلم ـ أن السحر سينقلب على الساحر فعلا، ولعدة أسباب؛ أولها أن أميركا استثمرت من رصيد كراهيتها ما يكفي البشرية لتسحب منه حتى نهاية التاريخ، والإقدام على خوض مغامرة كهذه قد يغري حركات مقاومة حرة لتظهر من تحت رماد الدمار الأخلاقي والثقافي والاجتماعي الذي أحدثته أميركا .

وليس بالضرورة الدمار العسكري والسياسي والاقتصادي، وثانيا لأن قمع حركات المقاومة الحقيقية سيفسد كل الطبخة، وثالثا لأن الخزينة الأميركية قد لا تكون حينها سمينة بالقدر الكافي لدفع رشاوي الطوابير الخامسة بسبب التضخم العالمي وارتفاع أسعار الضمائر في سوق العمالة والخيانة، ورابعا لأن القوى العالمية الجديدة قد تتجرأ على نتف ريش النسر الأميركي من خلال تأييد بعض الحركات التحررية وضمها إلى معسكرها، وخامسا لأن أميركا قد تتأزم داخليا، وقد يصل تأزم حكومتها الفيدرالية إلى حد الاضطرابات والحركات الانفصالية بسبب نشاط القوى المعارضة لسياساتها الخارجية وأطماعها التوسعية.

المشكلة الحقيقية ستظهر عندما تصل أميركا إلى مأزق مزدوج، فإما أن تمضي في مخططها فينفرط عقدها، أو تتراجع عنه فينفرط عقدها، ولكن الأرجح أنها ستمضي فيه على طريقة (عليَّ وعلى أعدائي).

كاتب إماراتي