لقد شكل تصاعد الحراك القضائي الاحتجاجي المصري في أعقاب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي أُجريت في عام 2005 م.. محوراً بارزاً من محاور الخطاب السياسي والدستوري والقانوني في مصر بخاصة والوطن العربي بعامة..

فقد ساهم هذا الحراك بدوره في تحريك مياه راكدة كثيرة في منظومات وقضايا الإصلاح في الوطن العربي.. ففي الأردن ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ أخذت أصوات الاحتجاجات تعلو وتصدر حتى عن رأس هرم الجهاز القضائي.. فقبل أيام فاجأ رئيس المجلس الأعلى للقضاء في الأردن الأوساط الإعلامية بخروجه عن صمته المعهود بإدلائه بتصريحات ساخنة أعادت إحياء الجدل حول العلاقة بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية.

في سياق هذا الحراك القضائي (الذي تشهده أكثر من دولة عربية) برزت قضية استقلالية القضاء كأحد أهم القضايا التي تم التركيز عليها باعتبارها مطلباً إصلاحياً ومحوراً من محاور التغيير المنشود..

كما استثار كذلك مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان بتقاطعهما مع استقلالية القضاء ونزاهته وحياديته.. فمنظومة حقوق الإنسان تشتمل على جملة من الحقوق القضائية منها : الحق في التقاضي.. وضمان المحاكمة العلنية العادلة.. والحق في التعويض .. وفي توكيل المحامي وطلب العفو وغيرها من الحقوق الأساسية التي تكفلها الدساتير والقوانين.

ونظراً للترابط الوثيق بين القضيتين (استقلالية القضاء وحقوق الإنسان) فإن إجراءات السلطة العربية لوأد هذا الحراك الاحتجاجي.. وإجهاض مطالب الإصلاح.. قد ساهمت في رفع الوعي القانوني والدستوري لدى عامة الناس.. خاصة وأن ترسانة التشريعات الوطنية والدولية (من دساتير وقوانين ومواثيق وقواعد وعهود وإعلانات) قد نصت صراحة على مبدأ استقلال القضاء، كما نصت على حصانة القاضي الدستورية والقانونية؛ وكفلت حق التقاضي، وضمنت الحق في المعاملة الحسنة والمساواة أمام القضاء.

وبذات المعيار فإن غياب العدالة حيناً وتغييبها أحياناً أخرى، فضلاً عما يصاحبها من ارتفاع منسوب انتهاكات حقوق الإنسان.. وما يستتبعها أو يليها من ضغوط على الجهاز القضائي، والتدخلات السافرة في عمله وقراراته والانتقاص من صلاحياته وسلطته، والتغول عليه في غير بلد عربي؛ كل ذلك استدعى حراكاً عاماً متجدداً مطالباً بالتغيير والإصلاح والديمقراطية وإقامة دولة العدل والقانون.. مع التركيز على أولوية الإصلاح القضائي والقانوني وإعمال مبدأ استقلالية القضاء وسيادة القانون والفصل بين السلطات.

على أن السلطة القضائية العربية تواجه إلى جانب تحدي الاستقلالية، جملة من التحديات من بينها التحدي الأخلاقي المتمثل بتفشي الفساد في مفاصل كثيرة للدولة العربية.. لقد جاء في تقرير الفساد العالمي لعام 2007 الذي أعدته منظمة النزاهة العالمية حول الفساد القضائي في العالم.. «بأن التدخل السياسي في العملية القضائية يفسد القضاة ويضعف الاقتصاد»®.

فالفساد يقوض النظم القضائية في العالم بعامة ويحرم المواطنين من الوصول إلى العدالة.. كما يحرمهم من حقهم الإنساني في محاكمة عادلة ونزيهة.. وأحيانا يحرمهم حتى من الحق في محاكمة على الإطلاق!!

ويرتبط بهذين التحديين (أي تحدي الاستقلالية والفساد) تحدٍ آخر هو «ضعف الفعالية»®. إذ تواجه الأحكام الصادرة عن المحاكم حواجز حقيقية عند التنفيذ، خاصة إذا ما كانت هذه الأحكام صادرة بحق أصحاب النفوذ أو المؤسسات الحكومية أو الخاصة الذين يحظون بالسلطة والمكانة لدى أصحاب القرار.. كذلك يتجلى ضعف الفعالية بتراكم الملفات لدى المحاكم، حيث ينتظر أصحاب الحقوق زمنا طويلاً حتى فقدان الأمل بنيلها.

هناك كثير من الثغرات التي تنخر في جسم السلطة القضائية العربية وقد انعكست في ضعف الفعالية منها: نقص الكوادر المدربة والمؤهلة.. وبطء إجراءات التقاضي.. وتكاليف التقاضي الباهظة.. مما أضعف الثقة في القضاء باعتباره الملاذ الأخير لاسترجاع الحقوق الضائعة وإنصاف المتقاضين، أما رابع التحديات فيكمن في تحدي التحديث والعصرنة.

حيث هناك قصور في التنمية البشرية الهادفة إلى تطوير ورفع كفاءة الكوادر القضائية.. ناهيك عن ضعف في مهارات إدارة الدعاوى والمحاكمات.. فضلاً عن النقص في التشريعات التي تستلزمها التحولات والمستجدات التي فرضتها العولمة وثورة التكنولوجيا والمعلومات.. فضلاً عن حاجة التشريعات القائمة إلى تحديث وتطوير بحيث تواكب التطورات وتستجيب للحاجات المستجدة.

ورغم هذه التحديات إلا أن السلطات التنفيذية العربية لا تزال تتحكم في جميع مفاصل السلطة القضائية (المالية والإدارية والسياسية) وتتغول عليها فتزيدها ضعفاً.. لقد صادرت كثيراً من صلاحياتها.. وعطلت المبادئ المتعلقة باستقلالية القضاء والفصل بين السلطات وسيادة القانون المنصوص عليها صراحة وتفصيلاً في جميع التشريعات الوطنية العربية.

ويتجلى تغول السلطة التنفيذية على السلطة القضائية في العديد من الإجراءات والممارسات لعل من أبرزها المحاولات المستمرة لتسخير الجهاز القضائي وتسييسه وتوريطه بملفات (ربما تكون وهمية) لتحقيق مآرب سياسية.. فكثيراً ما يستعمل القضاء لتصفية حسابات سياسية خارج أصول الصراع السلمي الديمقراطي (الوقائع كثيرة ومتكررة في غير بلد عربي)..

ومن الثغرات التي تنخر في مبدأ الاستقلالية مسألة المزج ما بين القضاء والسياسة .. فظهرت في عدد من الدول العربية حالات (القاضي الوزير).. ناهيك عن الثغرات الهيكلية كالتدخل المباشر بتشكيل الهيئات القضائية القيادية (مجلس القضاء الأعلى) لتكون النتيجة مجالس مفصلة على مقاس السلطة التي تتولى تشكيلها.. فتقرب من تشاء.. وتقصي من تشاء.. وتحصن قراراتها بما تشاء وكما تشاء.. حتى غدت الإشكالية المزمنة بين السلطة التنفيذية (ممثلة بوزارة العدل) وبين السلطة القضائية تدور حول دور كل طرف في الإشراف على المحاكم والعاملين فيها وعلى البنية الإدارية بشكل عام.

على أن أكثر العوامل وضوحاً وانتزاعاً لاستقلالية السلطة القضائية هو ما يتجلى في التبعية المالية والإدارية.. فالسلطة التنفيذية هي التي تملك خزائن المال وهي التي تعز من تشاء وتضعف من تشاء..

ومن الطبيعي أن يتحكم صاحب الولاية على الأموال والموازنات برقبة ومفاصل باقي المؤسسات والسلطات فيتحكم بالتعيينات ويفرض المعايير ويوجه القرارات ويعطل الأحكام التي قد لا تروق له أو لا تصب في مصلحة سلطته ونفوذه، أما عن مستوى الرواتب والمكافآت والحوافز الخاصة بالجهاز القضائي فهو مستوى متدن نسبياً مما يؤدي إلى ابتعاد الطاقات الشبابية وأصحاب الكفاءات عن العمل في سلك القضاء.

إن استقلالية القضاء وإبعاده عن الوصاية السياسية تعتبر إحدى الركائز الأساسية في بناء دولة العدل والقانون.. كما تشكل حجر الزاوية في أية إصلاحات منشودة.. فالنظام القضائي المستقل والرزين يتطلب آليات لحمايته من التأثير الوافد عليه من سلطات أخرى.. كما تستدعي الاستقلالية توفير التمويل اللازم من جهة، وإعادة النظر بطريقة تشكيل الهيئات القضائية من جهة ثانية وإدخال الضمانات الخاصة باستقلالية القضاء في النصوص الدستورية (أي دسترة الضمانات).

إن الحكمة التي تتلخص بأن «العدل أساس الملك» تختزل الأهمية القصوى والمكانة المتميزة لجهاز العدالة باعتباره دعامة أساسية للاستقرار والازدهار.. ويشكل موضوع استقلال القضاء مسألة محورية في كل محاولة جدية لاستشراف نظام قائم على العدل والحرية.. فالعدل شرط أساسي لترسيخ الديمقراطية في المجتمع وتحقيق دولة الحق والقانون وتثبيت الأمن القانوني والقضائي، وهو شرط جوهري للإنماء وضمان استمرار وتحقيق التنمية الشاملة.

خلاصة القول إن القضاء المستقل الذي يمكن القضاة من اتخاذ قراراتهم بمعزل عن الضغوط السياسية والمالية هو ضرورة وطنية لبناء الديمقراطية كما إنه الدرع الحقيقي لوطن حر مستقل!!

كاتب أردني

jobeidat@gmail.com