قبل نحو عامين أو ثلاثة، فجر المفكر الماليزي مهاتير محمد قنبلة كلامية في مؤتمر دولي عندما أعلن أن اليهود يريدون أن يحكموا العالم عن طريق حروب يشنها آخرون نيابة عنهم. ورغم أن قولة د. مهاتير وردت عرضاً وبصورة عابرة في سياق خطاب إلى المؤتمرين، إلا إنها أثارت في وجه هذا المفكر الإسلامي عاصفة هوجاء من قبل قادة الحركة اليهودية العالمية في الغرب والقيادات الغربية الموالية لها.
الآن وعلى خلفية الفضائح المتعلقة بمشاركة الشركات الأمنية الأميركية في حرب العراق بقوات المرتزقة الأميركيين، تنكشف ظاهرة ما يطلق عليه «خصخصة الحرب» كوسيلة مستحدثة لخدمة الأهداف العالمية للحركة اليهودية الصهيونية.
«بلاك ووتر» هي الأشهر بين الشركات الأمنية الأميركية الناشطة في الميدان الحربي الأميركي. وقد ازدادت شهرة مؤخراً بعد عمليات استهدفت فيها عمداً قتل مدنيين عراقيين بينهم أطفال، واستثماراً للمناسبة نشرت وكالة الأنباء الفرنسية تقريراً نقلت فيه عن الكاتب الأميركي جيريمين سكاهيل مؤلف كتاب «بلاك ووتر»: صمود أقوى جيش مرتزقة في العالم، أن الشركة هي «مؤسسة المرتزقة الأكثر سرية وقوة في العالم»، وأنها «الجيش الخاص الأسرع نمواً على كوكب الأرض بقدرات على الإطاحة بأنظمة بكاملها في أي مكان من العالم».
هذا القول خطير في حد ذاته بالطبع. لكن هناك ما هو أدهى وأمر، فالشركة ليست مجرد شركة تجارية تجني أرباحاً ضخمة من خلال تعاقداتها الأمنية مع الإدارة الأميركية، وإنما تمارس أنشطتها الأمنية والقتال في إطار أهداف سياسية.
وعلى هذا النحو تتولى مهمة الإشراف السياسي على الشركة منظمة أميركية يطلق عليها «مجلس من أجل سياسة قومية». وهي منظمة تتبع لما يسمى بحركة «الإنجيليين الصهاينة» الحركة التي تتكون قيادتها من كبار الشخصيات اليهودية النافذة في البيت الأبيض، وشخصيات أخرى غير يهودية، لكنها موالية للحركة الصهيونية. ومن بين الأعضاء القياديين ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي، ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع السابق وبول بريمر الحاكم العسكري الأميركي السابق للعراق.
ويفيد تقرير الوكالة الفرنسية أن أعضاء «مجلس من أجل سياسة قومية» يؤمنون «بالتدخل البشري في الخطة الإلهية للتعجيل بعودة المسيح عبر مساعدة دولة إسرائيل وشن حروب ضد أعداء الله»!
وإذا كان الهدف الأعظم كما نرى هو ضمان بقاء إسرائيل قوية وأن أعداءها هم «أعداء الله» الذين ينبغي استهدافهم بحروب فهل يبقى أدنى شك في أن المقصودين بعبارة أعداء الله هم شعوب الأمة الإسلامية»؟ وهل أخطأ مهاتير محمد في استخلاصه؟، ثم : هل ندرك أننا حالياً نعيش عصراً جديداً بعنوان «خصخصة الحرب»، موجهاً ضد الأمة الإسلامية؟
من الواضح أن الحركة الصهيونية العالمية قد توصلت إلى خلاصة مفادها أن الحروب التقليدية التي تشنها الولايات المتحدة ضد العالم الإسلامي فشلت، لأنها تستثير الجماعات المناهضة للحرب داخل الولايات المتحدة نفسها، بقدر ما تغضب الرأي العام في أوروبا، وتؤدي إلى معارضة من القوى الدولية الأخرى كروسيا والصين. ومن ثم فإن الاستخلاص الأخير هو شن الحرب عن طريق جيوش خاصة مرتزقة تعمل خارج الإطار الحكومي، وبالتالي خارج إطار القانون الدولي.
قولة مهاتير محمد تنطبق أكثر ما تنطبق على المسلمين. ولكن هل تحتاج القيادات الإسلامية إلى جهد للتوصل إلى هذا الاستخلاص؟، لا حاجة إطلاقاً. فالاستخلاص أوضح من الشمس.. وهو أن الصراع بين شعوب الأمة الإسلامية وإسرائيل هو صراع وجود لا صراع حدود.