فنلندا بلد نجا من الحروب بحكمة ساسته الذين نأوا بوطنهم عن أي تحالف عسكري، ورغم وقوعها بين الاتحاد السوفياتي، وأوروبا الشمالية والغربية، إلا أن قيادتها استطاعت أن تجعل من هذا الوطن بمغرياته الطبيعية بعيداً عن الصدامات، والاستقطاب بين المعسكرين المتنافسين..

هذا البلد الأوروبي الشمالي قليل الحركة باتجاه الأراضي العربية، رغم وسائل الاتصال الثقافي والتجاري، ومع ذلك فهذا البلد المميز والبعيد عن دوائر القضايا الساخنة، نراه يهتم بالمملكة كقطب جاذب لتبادل المصالح المختلفة، ولعل زيارة الرئيسة الفنلندية للمملكة جزء من حركة مستمرة في الزيارات المتبادلة لأوروبا وآسيا، وأفريقيا، وهذا البعد الجديد في العلاقات أخذ نموه من أهميته الروحية والاقتصادية وحتى تتحقق النتائج التي تقيس النجاح بعوائده على البلدين، نجد أن فنلندا بلد مفتوح على واجهات الدنيا كلها، وطبيعي أن يشكل مع المملكة رأسين في قائمة بلدان كثيرة مهمة..

ومثلما كان الاقتصاد عامل ازدهار في تاريخ الأمم والشعوب فإنه كان حافزاً للحروب والأطماع، ومع أن مساحات العالم بدأت تتقلص نتيجة عوامل التطور الكبير الذي وضع العولمة كأحد أسس الحركة الحديثة في هذا العصر، عندما شهدنا تحرك الاقتصاد في كل الآفاق وفق نظام لا تقيده النظم والاحتكارات والعوائق القديمة، إذ أصبح مبدأ الربح هو الذي يحرّك الرياح في كل الاتجاهات، ومن هنا نشأ هذا النظام بجعل الاقتصاديات العالمية تشهد أكبر التكتلات في عبور القارات للعلاقات البشرية..

وإذا كانت المنطقة العربية مؤسِّسةً لتاريخ التجارة العالمية حين كانت الرابط بين الشرق والغرب، فإننا الآن نعود إلى نفس الاتجاه، ولكن هذه المرة من خلال مخزون الطاقة الهائل، والممرات البحرية التي جعلت هذا الموقع لا تزول أهميته بالتقادم، طالما الحاجة إلى تأمين وسائل الحركة التجارية بين القارات قائمة ومستمرة..

المملكة كأكبر خازن للطاقة، أكدت للعالم أنها ضد أي احتكار بما في ذلك النفط، وعندما تكون أوروبا بكل قطاعاتها مركزاً مهماً في سوق النفط وغيره، فإنها الاقتصاد الأول في العالم وستكون واحدة من التكتلات العالمية الكبرى، ومن هذه الأسباب نشأت صلات متعددة بين المملكة وهذه القارة، مثلما حدث مع بلدان قارات أخرى، ولعل فنلندا العضو العالمي المهم في التجارة، وصاحبة الإضافات الكثيرة للابتكارات والعطاءات الإنسانية، تواجه في المملكة ترحيباً خاصاً، وتجد في نمو هذه العلاقات اتجاهاً إيجابياً، وخاصة حين تلتقي القيادتان وفق منطق المصالح لا إشعال الحروب أو افتراض أسبابها..

ومع كل الافتراضات فإن المملكة تبقى واجهة سلام في موقع متلاطم وتجد في اتساع علاقاتها العالمية، إضافة جديدة لترسيخ مبدأ التعاون القائم على التنافس الموضوعي، وفنلندا بلد محايد وصديق تجمعنا معه خصائص كثيرة، وأهمها ترسيخ السلام وتنمية المصالح..